المجلة

” التفاهم “

مجلة تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان وتهدف إلى تحقيق الغايات التالية:
1. ترسيخ الإسلام الذي يقوم على التسامح وحق الاختلاف وتعددية وجهات النظر.
2. إعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه مسألة حيوية في الفكر الإسلامي من أجل تجديد ذاته
في مواجهة العصر ومتغيراته.
3. العمل على إصلاح مواطن الخلل في الفكر الإسلامي وفتح المجال لتصورات إسلامية
تصدر عن وحدانية لا تشوبها شائبة، وتسعى لتجسيد رؤى مستنيرة، بعيدا عن التعصب.

” قواعد النشر “

تنشر ” التفاهم ” الدراسات والمقاولات الفكرية التي تتسم بالعمق والموضوعية، وتضيف جديدا للمعرفة.
يشترط في البحث أن لا يزيد حجمه على عشرة آلاف كلمة، وأن لا يكون منشورا من قبل.
يخضع ترتيب مواد المجلة عند النشر لاعتبارات فنية محضة، لا علاقة لها بقيمة الدراسة أو بمكانة صاحبها.
الأبحاث التي ترسل إلى المجلة لا تعاد إلى أصحابها، نش رت أم لم تنشر، والمجلة ليست ملزمة بإيضاح أسباب عدم النشر.
يعطى صاحب البحوث المنشور مكافأة مالية، وفق النظام المعمول به في المجلة.
ما تنشره ” التفاهم ” من بحوث يعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا يمثل وجهة نظر ” التفاهم ” أو الجهة لتي تصدر عنها، بالضرورة.
تعنى بالخطاب الإسلامي وشؤون الحياة المعاصرة

” من التسامح إلى التفاهم “

يقول علماءُ أُصول الفقه والكلام في الإسلام: إنه “لا مُشاحّة في الاصطلاح”، وهم يعنون بذلك أنه لا عبرة بالألفاظ والمباني؛ بل العبرة بالمضامين والمعاني, فقد تختلف الألفاظ والأساليب ويكونُ المقصودُ واحداً, وغالباً ما يكون الاختلاف في الألفاظ في بدايات نشوء المنظومات الفكرية, حتّى إذا استقرت الثقافة واستوت على سوقها، ينشأُ عالَمٌ مصطلحيٌّ يجري التعارُف عليه بين أهل الفنّ والصنعة، فيقلُّ الاختلافُ في الشكل، وينصرف المتحاورن أو المتجادلون إلى قراءة ونقد ما وراء المصطلحات المتعارَف عليها من مفاهيم.

بيد أنّ هذا المذهب في فهم الاختلاف المصطَلَحي أو التعدُّد المصطلَحي ليس صحيحاً على إطلاقه؛ فالمصطلح تعبيرٌ تشخيصيٌّ عن فهمٍ معيَّنٍ في مجال علمٍ معيَّنٍ، وظرفٍ تاريخيٍّ معيَّن. ولذا فإنّ الاختلاف المصطلحي يُعبِّرُ في الغالب عن مناهج مختلفة في الفهم والتقويم والحكم معاً, وينطبقُ هذا الأمر على مصطَلَحَيْ التسامُح والتفاهُم, فقد ظهر مصطلح التسامُح في أوروبا في القرن السابع عشر، عندما كان الخلافُ الديني بين البروتستانت والكاثوليك مؤدّياً إلى نزاعاتٍ وحروبٍ كثيرةٍ وكبيرة. ولأنّ الخلاف الدينيَّ كان يؤدي بين الطرفين إلى شلل في الحياتين الخاصة والعامة، ويُعطِّلُ سُبُل العيش والبناء؛ فقد كان التسامُح (كما فهمه جون لوك) مقصوداً ومطلوباً لإزاحة الخلاف الديني عن مجال الحياة العامة، بحيث يستطيع المختلفون دينياً أن يبقى كلٌّ على دينه أو مذهبه الخاصّ، ويستطيع في الوقتِ نفسه أن يتعايشَ مع الآخرين الذين يختلف عنهم في الدين والمذهب. وبواسطة ذهنية التسامُح هذه يمكن للمختلفين أن يتعاونوا في تنظيم شأنهم العامّ، وفي إقامة علائق مع الآخرين المقيمين خارج الوطن أو الدولة بالروحية ذاتِها.

وعندما أطلَّ المسلمون على الأزمنة الحديثة، كانت مرحلةُ التسامُح لديهم قد استتبَّتْ, فقد ظهرت لديهم -وفي مجالهم الحضاري في الحِقَب الوسيطة- مذاهب كلاميةٌ وفقهيةٌ متعددة، وقامت بينها نزاعاتٌ واسعةٌ ما لبثت أن خمدت بالتدريج في المسائل الدينية والأُخرى المتّصلة بها. إنما الذي حدث أنّ الأزمنة الحديثة والمعاصرة أتت معها بمشكلاتٍ وقضايا كان من الصعب الاتفاق على وسائل وطُرُق لمواجهتها, وكما لدى كُلّ الأُمَم والثقافات؛ فإنّ التحديات الخارجية لا تلبثُ أن تتحول إلى نزاعاتٍ داخلية تستشري وتَتعاظَم، وهذا ما جرى للمسلمين عندما ووجهوا بتحديات الحداثة. ولذلك ظهرت الحاجةُ من جديدٍ إلى التسامُح تجديداً للمقولة المشهورة: (نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذُرُ بعضُنا بعضاً فيما اختلفْنا فيه). وتعبيراً عن هذا الواقع كان هناك من آثَرَ مفرد التساهُل على مفرد التسامُح, وهنا لا مُشاحّةَ في الاصطلاح بالفعل, وقد حدث في أواخر القرن التاسع عشر أن استخدم سائر المفكّرين هذا المفرد، وسواء في ذلك مَنْ عرفوا التاريخ الفكري الأوروبي وَمَنْ لم يعرفوه.

وعندما نشأت مجلة التسامُح في مطلع القرن الحادي والعشرين، كان للأخذ بهذا المصطلح اعتباران: اعتبار الاختلاف بين المسلمين، وضرورة تجاوُز تلك الخلافات إلى رحابة الإسلام. واعتبار العلاقات الجديدة بين الإسلام والديانات الأُخرى؛ وبخاصةٍ الأديان الإبراهيمية في شتّى مذاهبها ومدارسها. وقد سلكت المجلةُ سبيل التسامُح بأمانةٍ ونزاهةٍ شديدتين, فنشرت بحوثاً ودراساتٍ لكُتاّب من شتى الاتجاهات الفكرية في ديار المسلمين وفي الخارج. وفي الندوة الفقهية السنوية التي تقيمُها وزارةُ الأوقاف -كما في موسمها الثقافي السنوي- أقبلت المجلةُ على نشر سائر المحاضرات للمدعوّين، على اختلاف منازعهم ومذاهبم الفكرية والدينية. وكان المقصودُ من وراء ذلك أنّ الانفتاح ضروري، وأنّ الإفادة ممكنةٌ بل ضرورية من مقولات هؤلاء المختلفين، في عمليات التقدم والتطوير الجارية بالسلطنة والوطن العربي والعالم الأوسع. وفي المجال الآخر -مجال الحوار بين المسيحيين والمسلمين- سَمَت المجلة للإسهام في صُنع علاقةٍ جديدةٍ خارج أجواء الجدال والفوضى, فالقضيةُ هي قضيةُ تجديد العلائق بين الدينين العالميين الكبيرين، بعد عهودٍ من الخصام ووجوه النزاع. وقد تعاونت المجلة من -ضمن سياسات الوزارة- وانفتحت على جامعاتٍ وكنائس واتجاهات في الدراسات الدينية وفلسفة الدين، في الولايات المتحدة، وفي أوروبا. وكان هناك تجاوُبٌ كبيرٌ، بحيث صارت المجلةُ بيئةً خصبةً للنقاش والتغيير لدى المسلمين، كما لدى المسيحيين في نظرتهم للإسلام، وتعامُلهم مع المسلمين.

وقد رأينا بعد عقدٍ من العمل والنقاش أن نتقدم خطوةً أُخرى على درب التعارُف القرآني الواسع والعميق؛ بالمصير إلى تسمية المجلة في المرحلة التطويرية الجديدة بالتفاهُم. ولا يعني ذلك أنّ الخلافات انتهت بين المذاهب الفكرية أو بين الأديان؛ لكنّ هذا التغيير يعني أنّ للحوار والنقاش هدفاً رأينا أن نهيئَ لذهنيته؛ ليكونَ واضحاً تماماً، وهو الوصول إلى التفاهُم أو اللقاء على قواسم مشتركة، نعملُ على تأكيدها وتعظيمها. فكما جاء في الآية الكريمة: {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلْناكم شعوباً وقبائلَ لتَعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} فالتقيُّ والورِعُ من المسلمين هو الذي يُغالبُ ميولَهُ ونوازعه التنافُرية من أجل الدخول في خطّ التفاهُم والتعارُف القرآني. وهذه السبيل هي سبيلُ القرآن الكريم ودعوة النبي صلواتُ الله وسلامُهُ عليه؛ إذ حمل القرآن دعوة الدين الواحد، دعوة التوحيد، التي تتضمنُها مِلّةُ إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام, فأقبل النبي على دعوة المشركين إلى الله الواحد، كما أقبل على إبراز القواسم المشتركة للتفاهُم على الدين الواحد مع أهل الكتاب الذين يقولون بالتوحيد، والمطلوب منهم ومن أتباع النبي-صلى الله عليه وسلم- تحقيق مقتضياته: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبدَ إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون الله فإنْ تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون}. فهناك أهل الكتاب الذين يملكون مثل ما نملك من هدىً ونور, وهناك الكلمة السواء التي هي مقتضى الهدى والنور والقاسم المشترك الداعي للتفاهُم على عبادة الله الواحد, وهناك السواسية أمام الله والناس؛ بحيث لا تسُودُ الغَلَبةُ في الإيمان وفي العلاقات, فإنّ أصرُّوا على الخلاف فإننا لا نُنازعُهُم، بل نؤكّد أننا مستمرون في هذا الإسلام، هذا الدين الواحد، والذي لا بد أن نلتقي عليه عاجلاً أو آجِلاً.

لقد قال المفكر الألماني المعاصر أكسل هونيت لأستاذه هابرماس الداعي للتواصُل من طريق الحوار: إنّ ذلك لا يمكن أن يكونَ هدفاً؛ لأنه يصبح حواراً من أجل الحوار؛ بل ينبغي تجاوُزُ ذلك إلى التفاهُم أو الاعتراف المتبادَل؛ أي أنّ غاية الحوار ينبغي أن تكونَ التفاهُمَ على قواسم مشتركة أو جامعة.

إنّ مجلة التفاهُم إذ تتخذ هذا المفرد عنواناً لها إنما تقصدُ إلى تطوير نهجها، وإلى تحديد الغاية من وراء الحوار، كما تريد أن تسعى لتحقيق ذلك بالمزيد من الجَهد الفكري والعلمي، وتعميق النقاش، ونحن نضع نُصْبَ أعيُننا هذا الهدف القريب/البعيد: هدف التلاقي على تفاهُمٍ كبيرٍ مع أنفُسِنا ومع العالم.