﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] ***** عمارة الأرض بي

: العدد

الثالث والأربعون

: السنة

الثانية عشرة

شتاء, 1435هـ / 2014 م

الفنون والجماليات في خدمة مقاصد الشريعة
إبراهيم البيومي غانم(*


ما نجده من شروح في المصادر القديمة لمقاصد الشريعة يدور في أغلبه حول الحفظ من جهة الصيانة لا من جهة التحصيل، وبأسلوب الزجر والعقاب، لا بأسلوب الترغيب والثواب، ونادراً ما نجد شرحاً لتلك المقاصد من جهتي التحصيل والصيانة. ويدلنا على ذلك أن الأمثلة الشارحة لكيفية "حفظ" العقل، أو النسل، أو حفظ المال مثلاً، لا تكاد تتجاوز: جلد شارب الخمر، وجلد الزاني والزانية إن كانا غير محصنين، وقتلهما رجماً إن كانا محصنين، وقطع يد السارق، أو تعزيره بحسب الشروط والضوابط التي بينها الفقهاء. ولا نكاد نجد شرحاً لأي من تلك المقاصد جهة التحصيل؛ أي بناء القدرة العقلية بالتربية والتعليم والتثقيف وضمان الحق في ذلك كله لكل إنسان؛ كي تتوافر فرص متساوية لبناء العقل على نحو يكون معه قادراً على التفكر والابتكار، وكذلك بالنسبة لصون النفس صيانة تكون معها في طمأنينة وسلام وراحة بال؛ بحيث تنعكس آثارها الإيجابية على من حولها. وإذا فتحنا باب النظر إلى مقاصد الشريعة من جهة كيفيات تحصيلها ابتداءً؛ فسوف نكتشف أن نظرية المقاصد بالغة الثراء والاتساع، وسوف يتبين لنا أن "الفنون الجميلة" داخلة بالضرورة في خدمة المقاصد العامة للشريعة؛ فبصر الإنسان إذا كان لا يقع غالباً إلا على مشاهد جميلة، وسمعه إذا كان لا يستمع إلا الطيب من القول؛ فإنه سيتمتع - على الأرجح - بصحة عقلية ونفسية تجعله أكثر إيجابية وأكثر إقبالاً على الحياة ومحبة لغيره. أما إذا حدث العكس، ووقع بصره غالباً على مشاهد قبيحة المنظر، واستقبل سمعه ما يسترذل من القول؛ فإنه سيعاني - غالباً - من اعتلال في صحته العقلية، واختلال في صحته النفسية.

 وسؤالنا هنا هو: هل يمكن تحقيق المقاصد العامة للشريعة دون توظيف "الفنون الجميلة" في خدمة هذه المقاصد؟ وهل يمكن فهم ثراء الحضارة الإسلامية وازدهارها الذي ترافق مع إبداعات الفنون الجميلة بعيداً عن نظرية المقاصد العامة للشريعة؟ الإجابة التي أقترحها في هذا البحث على هذين السؤالين هي: لا. وأزيد على هذا فأقول أيضاً: إن بعض النظم الشرعية الإسلامية قد أسهمت -بشكل مباشر، أو غير مباشر- في إبداع كثير من أشكال الفنون الجميلة. أقول ذلك رغم معرفتي بأنه يكتنف علاقة الفنون الجميلة والآثار بالمقاصد العامة للشريعة غموض وشك ونفور في الوعي الإسلامي المعاصر بصفة عامة، وفي وعي جيل الشباب بصفة خاصة. وفي الوقت الذي يجد فيه هذا الجيل فرصة كبيرة للانفتاح على مختلف ألوان الفنون والآداب العالمية والمحلية عبر الوسائط المتطورة لنقل المعلومات، يجد نفسه أيضاً لا يمتلك رؤية واضحة لوظيفة هذه الفنون ولا لأهميتها في الحياة، ولا كيفية التفريق بين النافع منها والضار؛ ناهيك عن علاقتها بقيم المرجعية الإسلامية ومقاصدها العامة.

وقد يكون من الأسباب الرئيسة التي تفسر سمات الغموض والشك والنفور من الفنون؛ أن أكثر ما تبثه مؤسسات التربية والتنشئة الفكرية والثقافية في أغلب مجتمعاتنا الإسلامية -عن علاقة الفنون بمقاصد الشريعة- يستند -في أحسن الأحوال- إلى رؤى تقليدية منقطعة الصلة بالواقع من جهة، أو يختزل تلك العلاقة في عدد محدود من النماذج والأمثال الشارحة مقطوعة الصلة بالواقع المعاصر من جهة أخرى. والأكثر من ذلك هو التجاهل والإغفال لهذه العلاقة من أساسها؛ وهو ما يغذي الشك تجاه مختلف الفنون والآداب لدى السواد الأعظم من المواطنين، ويصل الأمر إلى حد النفور منها ورفضها باسم التدين أو الالتزام، أو باسم المحافظة على الأصول والتقاليد لدى أبناء التيارات الإسلامية، خاصة أولئك الذين يشاركون في المجال العام ويتطلعون إلى النهوض بمجتمعاتهم.

ولسنا معنيين في هذه الدراسة بالإجابة على السؤال الذي يقول: الفنون الجميلة وما يلحق بها من "آثار" أو"أوابد"، أو "ذمم سياحية وتاريخية": أحلال هي أم حرام، مندوبة أم مكروهة أم مباحة؟ ذلك لأننا نعتقد أن مثل هذا السؤال قد جرى تجاوزه ولم يعد الجدل حوله ذا شأن. ونعتقد أن هناك أدلة قوية وتحظى بقبول واسع تؤكد على أن القاعدة العامة هي: أن كل الفنون مباحة ما لم تمس وحدانية الله تعالى، أو تتعدى على أنبيائه ورسله، أو تمجد الوثنية ومعتقداتها.

إن كون الإسلام منهجاً شاملاً للحياة يعني - بالضرورة - أن الفنون والآداب -بمختلف أشكالها- هي جزء أصيل من هذا "المنهج"؛ ليس هذا فحسب؛ وإنما تحتاج كل الفنون إلى رؤية واضحة تضعها في مكانها الصحيح من هذا المنهج الشامل، وتجعلها في خدمته. ولا مجادلة في ذلك؛ وخاصة إذا علمنا أن ميدان عمل الفنون الجميلة وحواشيها هو بناء "الوجدان"، وترقية "الذوق"، ومن ثم السمو بالعواطف والمشاعر، وتغذية "الروح" بما يسهم في تحقيق السكينة والطمأنينة الفردية والجماعية. وميدان الوجدان هو ذاته الميدان الأول لعمل رسالة الإسلام في النفس الإنسانية المهيأة بحكم الفطرة للاختيار بين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الهداية والغواية، بل بين الإيمان والكفر.

السؤال الذي شغلني فانشغلت به هو: ما علاقة الفنون الجميلة بنظرية المقاصد العامة للشريعة الإسلامية من جانب؟ وكيف تجلت هذه العلاقة في تراث الحضارة الإسلامية ونظمها المعمارية وثروتها الأثرية من جانب آخر؟ إن نقطة البدء في الإجابة على هذا السؤال بجانبيه هي: أن التوجيهات القرآنية والنبوية بشأن الجماليات والفنون المختلفة قد شجعت على ظهور ألوان كثيرة من الإبداعات الفنية والجمالية؛ حتى إن بعض المهندسين المعماريين حاولوا محاكاة الأوصاف الجمالية القرآنية للجنة؛ وقصر الحمراء بغرناطة من أشهر الأمثلة على هذا!. وتجلت تلك الإبداعات أيضاً في النظم المعمارية، وفي كيفيات تخطيط المدن والحواضر؛ إضافة إلى أن بعض النظم الشرعية -مثل نظام الوقف- قد اقتضى تطبيقه إبداع كثير من ألوان الفنون الجميلة، ومن ثم أسهم في تكوين ثروة أثرية عملت في خدمة المقاصد العامة للشريعة بطرق مباشرة وغير مباشرة.

أولاً: لمحة عن الفنون الإسلامية ومقاصدها

ترجع النشأة الأولى للفنون الإسلامية إلى العام الأول للهجرة النبوية من مكة إلى المدنية؛ حيث ظهر نموذجها الأول في تخطيط مسجد قباء، وهو أول مسجد بناه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-. وكان نزوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أرض قباء في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، الموافق سبتمبر من سنة 622م. ورغم ندرة المعلومات التي وصلتنا عن تفاصيل تصميم ذلك المسجد ومكوناته المعمارية؛ فإن المتوافر من تلك المعلومات يؤكد في أغلبه على أن البساطة والانسجام بين عناصر المسجد المعمارية والوظيفية هي أوضح المعالم الجمالية الأولى التي تجلت في مسجد قباء، ومنه انتقلت تلك العناصر إلى بقية المساجد. ولم يمض وقت طويل حتى "اتخذ الفن الإسلامي المعماري الجديد أهم أشكاله المميزة خلال العقدين الأخيرين من القرن الأول الهجري، وهما العقدان الأولان من القرن الثامن الميلادي، وأشهر الأمثلة على ذلك هو الجامع الأموي في دمشق"(1). ودخل"المسجد" في صلب التخطيط العمراني للمدن والأمصار؛ وأصبح لا يمكن تصور مدينة إسلامية إلا بوجود المسجد الجامع في وسطها. ثم تكاثرت الفنون المرتبطة بتصميم المساجد وتشييدها، وتطورت بمرور الزمن مع انتشار الإسلام ودخول أمم ذات حضارات عريقة فيه، ومنها حضارات: الصين، والهند، وفارس، وروما، واليونان(2).

ودون الدخول في تفاصيل تاريخ الفنون التي عرفتها الحضارة الإسلامية في تاريخها الطويل؛ فإن مقتنيات المتاحف والمعارض المتخصصة في الفنون الإسلامية وآثارها شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً(3)، وأحدثها هو متحف "السلام عليك أيها النبي"(4)؛ تدلنا على أن الفنون الجميلة بمختلف أنواعها نالت حظاً وافراً من العناية والاهتمام، وأنها أيضاً قد انفتحت على مختلف الخبرات الحضارية وهذبتها واستوعبتها، وأضافت إليها، وصبغتها بطابعها الإسلامي الخاص. كما تدلنا تلك الآثار على أن "وجود الله" هو الأساس العقدي الذي صبغ كل أعمال الفن الإسلامي، وكما يقول روجيه جارودي: "إن كل غرض حتى ذلك الأكثر استعمالاً؛ سواء كان سيفاً أو إبريقاً، أو طبقاً من نحاس، أو سرج حصان، أو منبراً، أو محراباً في مسجد؛ هو محفور ومرصع أو مطروق ليشهد أنه علامة على وجود الله"(5).

ورغم كثرة البحوث في قضايا الفنون الإسلامية ومشكلاتها النظرية والعملية؛ فإن السؤال عن علاقة هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعةلم يحظ بما يستحقه من الدرس والتأصيل. ولا تزال أغلب البحوث في الفنون الإسلامية معنية بالجوانب التاريخية، أو الفقهية(الحلال والحرام)، أو المعمارية والهندسية، أو بعلاقات التأثير والتأثر بين الفنون الإسلامية وغيرها من فنون الحضارات الأخرى. أو هي معنية بمسائل وموضوعات مفردة مثل: فن الرسم، أو فن التصوير، أو فن التمثيل، أو فن الشعر، أو فن الموسيقى، أو فن الغناء، أو فن الزخرفة والزركشة؛ دون محاولة اكتشاف علاقة كل هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعة.

 قديمًا؛ تناول علماء المسلمين الفنون الجميلة ومسائلها بقدر كبير من التوسع مع التعمق الفلسفي. فالمعتزلة مثلاً ربطوا الأخلاق والجمال بالعقل وبالشرع معاً، وذهبوا إلى أن ما حسن في نظر العقل يكون حسناً في نظر الشرع. وابن سينا (370ـ428هـ /980ـ1037م) رأى أن "جمال الشيء وبهاءه هو أن يكون على ما يجب له"(6). وابن طفيل كتب رسالة في "فن الموسيقى" استعاد فيها النظرية الكلاسيكية حول التوافق بين أجناس الألحان والأمزجة البشرية، وأكد على الامتدادات التربوية والتطبيقية لهذا التوافق؛ بما في ذلك التطبيقات الطبية عنده(7). أما الإمام أبو حامد الغزالي فقد قسم الجمال إلى "جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس، وجمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة"(8). وشرح الغزالي كيف أن الموسيقى أو فن "السماع" "يثمر حالة في القلب تسمى الوجد، وأن الوجد يؤدي إلى تحريك الأطراف بحركات غير موزونة تسمى اضطراب، أو بحركات موزونة تسمى التصفيق والرقص، وأكد على أن كل سماع يتم عن طريق قوة إدراك، وأن قوى الإدراك الحسية هي الحواس الخمس... وأما القوى الباطنة فمنها قوة العقل وقوة القلب، وكل قوة من هذه القوى تلذذ بموضوعها إذا استحق هذا الموضوع هذا الشعور باللذة(9). ويرجع الإمام الغزالي كل ألوان الجمال والخير إلى الله تعالى المتصف بصفات الجمال والجلال، فيقول: "لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات الله، وأثر من آثار كرمه، وغرفة من بحر جوده؛ سواء أُدرك هذا الجمال بالعقول، أو بالحواس، وجماله تعالى لا يتصور له ثان، لا في الإمكان ولا في الوجود"(10). ونستشف من مثل تلك الرؤى العقدية والفلسفية للفنون والجماليات الكونية والنفسية أن فلاسفة المسلمين قد أدركوا عمق علاقة الفنون بمقاصد الشريعة؛ وخاصة بمقاصد حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس. ومقتضى كلامهم أن التأمل في الجماليات مؤد حتماً إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى، وإلى الاتزان العقلي، والهدوء النفسي، على مستوى الأفراد والجماعات. ومن ثم يسهم الاهتمام بتلك الجماليات وفنونها في تقوية ما نسميه "الصحة العامة"، و"السلم الأهلي" وفق مصطلحاتنا المعاصرة.

أما حديثاً؛ فبحوث العلماء في موضوع الفنون الجميلة وعلاقتها بمقاصد الشريعة قليلة؛ بل هي نادرة جداً كما أسلفنا، ومنها مثلاً: كتاب الدكتور محمد عمارة "الإسلام والفنون الجميلة". وفصل من كتاب الرئيس على عزت بيجوفتش: "الإسلام بين الشرق والغرب".

الدكتور عمارة بيَّن في كتابه أن الفنون يجب أن تكون جميلة في ذاتها، وجميلة في تأثيراتها ووظائفها ومقاصدها، وأن "فنون الدعة والبطالة والتواكل الاسترخاء والسطحية والتفاهة غير فنون الحمية والعمل والعزم والانتماء والنهوض"(11). الأولى فنون جميلة بناءة، والثانية فنون ولكنها هدامة وليست جميلة. وهو يرى أن "الفن الجميل... مهارة يحكمها الذوق الجميل والمواهب الرشيدة؛... لإثارة المشاعر والعواطف". وذهب الدكتور عمارة أيضاً إلى أن خروج المهارات والفنون عن المقاصد الرشيدة يجردها من شرف الاتصاف بالجمال"، واستشهد على ذلك بقول ابن سينا الذي أوردناه قبل قليل وهو أن "جمال كل شيء وبهاءه هو أن يكون على ما يجب له". وينتهي الدكتور عمارة إلى أن "الفن المتسق مع الإسلام هو الذي يحقق مقاصده في أمته، وفي الإنسانية، عندما تشيع فيه الصبغة التي صبغت بها عقيدته وميزت بها أيديولوجيته إبداع الإنسان الفنان، إنها خيوط غير مرئية تلك التي تربط الوضع الإلهي بالإبداع الإنساني الجميل"(12).

أما الرئيس بيجوفتش، فقد رسم - في الفصل الثالث من كتابه - معالم نظرية إسلامية في الفنون من منظور إسلامي وبرؤية فلسفية عميقة. وكشف لنا ببراعة عن عمق الصلة بين الدين والفن والأخلاق عندما قال: إن " الدين يؤكد على الخلود والمطلق، وتؤكد الأخلاق على الخير والحرية، ويؤكد الفن على الإنسان والخلْق... وفي جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية"(13). وذهب بيجوفتش إلى أن وجود عالم آخر ونظام آخر إلى جانب عالم الطبيعة هو المصدر الأساسي لكل دين وفن؛ فإذا لم يكن هناك سوى عالم واحد لكان الفن مستحيلاً. وهو يعدّ العمل الفني من حيث هو إبداع "ثمرةً للروح". وبينما يكون المطلوب في العلم أن يكون دقيقاً؛ فإن المطلوب في الفن هو أن يكون صادقاً؛ لأنه يعكس النظام الكوني دون أن يستفسر عنه(14).

إذا نظرنا إلى المدارس الغربية الحديثة في مجال الفنون الجميلة من حيث فلسفتها ووظائفها وأنماطها المختلفة؛ فسوف نجدها بالغة الثراء، وسنجد أن فيها ما لا يجافي الرؤية الإسلامية ويتفق معها حيناً، كما أن فيها ما يجافيها ويتناقض معها أحيانا. ولا يصح أن نتجاهل "جماليات" الرؤية الغربية بحجة أن لها قبائح؛ مثلما لا يصح أن نتهاون بشأن قبائحها بحجة أن لها جماليات.

هناك من علماء الغرب وفلاسفته المعاصرين من ذهب إلى أن الشيء الجميل هو ناتج الممارسة الاجتماعية التاريخية، ويعدّ هيجل من أشهر القائلين بذلك. وهناك من لاحظ - بحق - أن ظاهرة الانسجام -وهي أساس الشعور بالجمال والسلام- وكذلك"عدم الانسجام" -الذي هو أساس الشعور بالقبح والعنف- ترجعان إلى تاريخ طويل في حياة الإنسان. ومنهم من ركز على علاقة الفن بالحياة، وبالدين، وبالعلم، وخلصوا إلى أن الفن أداة ربط اجتماعي، ووسيلة تطهير للنفس الإنسانية، وضمانة للتماسك والتجانس بين أبناء المجتمع الواحد. وهناك علماء وفلاسفة آخرون ربطوا بين الجمال والأخلاق ونبهوا إلى الدور التربوي لكليهما، بل وأقاموا علاقة وثيقة بين "الخير - والحق - والجمال"(15). ومن هؤلاء مثلاً الأديب الروسي بلنسكي (1811-1848م) الذي قال: "إن الجمال شقيق الأخلاق. والصور الفنية الإيجابية التي تعكس حياة الناس ونبلها وجمالها تفرض الاحترام والحب والإعجاب المخلص. وتعطي أنماط الأبطال الحقيقيين في الحياة للقارئ والمتفرج متعةً وبهجة جماليتين. أما الصور السلبية فهي تثير مشاعر الاستنكار الأخلاقي والاحتقار، التي ترتبط ارتباطًا وثيقا في طابعها بمشاعر الازدراء والاحتقار التي نحسها عندما ندرك ما هو قبيح ودنيء. ومن ثم فإن وحدة الجمالي والأخلاقي هي أساس الدور التربوي ودور التحويل الأيديولوجي اللذين تقوم بهما الفنون في الحياة الاجتماعية"(16).

للفنون - إذن - مهمات لا غنى عنها في كل حضارة من الحضارات؛ وإن اختلفت مرجعياتها الفلسفية، أو تباينت غاياتها النهائية. وتكاد أغلب الرؤى الحضارية والفلسفية تشترك في أن أهم مقاصد الفنون تتمثل في: تنمية العاطفة والوجدان، وتنمية مهارات الحواس وتدريبها على الإجادة والإتقان، وحفز الإنسان على الإبداع والابتكار وتأكيد الذات، وضبط الانفعالات وترويض النزعات الجامحة ووضعها في حالة اتزان، وتقدير العمل اليدوي ومهارات الصناعة، وفتح المجال أمام الخيال واستثماره في خدمة الإنسان والعمران، وكلها مقاصد تندرج تحت الإطار العام لمقاصد الشريعة.

ولكن رغم نبل تلك المقاصد أو الغايات فإن الفنون لم تسلم من سوء الاستخدام لتأجيج الصراعات الدينية والمذهبية، أو لتحقيق مآرب اقتصادية وسياسية على حساب الغير؛ حتى إن بعض الحركات ذات "النزعة الإنسانية" العالمية لا تخفي رغبتها في استبدال الفن بالدين(17). وفي سبيل ذلك تقوم تلك الحركات بتسخير المعارض الفنية والمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، والأعمال المسرحية والغنائية، ومختلف الفنون التشكيلية؛ من أجل تدمير الدين والاستغناء بالفن عنه.

وإذا كانت الفنون الإسلامية تشترك مع غيرها من الفنون في أغلب تلك الغايات، فإنها تظل مرتبطة بتصور الوجود حسب رؤية الإسلام للكون والحياة والإنسان والخالق سبحانه وتعالى. ووفق هذا التصور فإن الفنون الإسلامية ترسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود. ولهذا اتسع نطاق عمل الفنون الجميلة في حضارتنا الإسلامية؛ ولدينا سوابق بارعة الجمال في: النقش والنحت، والرسم والزخرفة، والتصوير والحفر، والموسيقى والشعر، والغناء، والخط، والمنمنمات، وأيضاً في أصول تنظيم المدن والأمصار وتخطيطها، وهندسة البناء... إلخ.

في كتب أصول البنيان والخطط العمرانية للأمصار والمدن الإسلامية(18) نجد تشديداً على ضرورة توافر الجوانب الجمالية، وتأكيداً على وجوب مراعاة معايير الجودة في التخطيط وهندسة البناء، ونجد اهتماماً خاصاً بما نسميه جماليات "المجال العام" من السقايات، والفوارات، والمفترجات، والميادين الرحبة، والأشجار الوارفة، والاستراحات العامة...إلخ. ولم يهتم المعماريون المسلمون وحدهم بتلك الجوانب الجمالية؛ وإنما اهتم بها أيضاً كتاب الحكمة السياسية والأحكام السلطانية في معرض حديثهم عن إنشاء الأمصار. ومن ذلك الشروط التي ذكرها الماوردي في كتابه "تسهيل النظر": سعة المياه المستعذبة، وإمكان الميرة المستمدة، واعتدال المكان الموافق لصحة الهوى والتربة، وقرب المكان مما تدعو إليه الحاجة من المراعي والأحطاب، وتحصين المنازل من الأعداء(19). ولابد أن مراعاة تلك الشروط في تأسيس المدن استلزم تطبيق معايير جمالية متنوعة، وكان من شأن ذلك أن يوفر ضمانات لا غنى عنها لسلامة الصحة النفسية والاتزان العقلي لسكان المدينة؛ فالمشاهد الجميلة، والألوان المتناسقة، والمساحات الخضراء والزهور المبهجة، والموقع الملائم للهواء النقي؛ كلها تؤثر إيجابياً على المزاج النفسي العام؛ بخلاف مشاهد التلوث والقبح والفوضى والعشوائية، التي تضر بالصحة النفسية، وتشجع على العنف وارتكاب الجرائم، ومن ثم إلحاق الأذى بالنفس، والمال، والنسل، والعقل، والدين في آن واحد؛ أي إهدار المقاصد العامة للشريعة.

وبالنظر في أحوال مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة؛ نجد أن ما يقدمه مبدعو الفنون الجميلة يتسم بالهزال والركاكة، ولا ينطوي على ابتكارات جديدة، وتغلب عليه ملامح التبعية لمدارس الفنون الغربية. وقد أسهمت بعض الرؤى السلفية المتشددة في تكريس هذه الحالة الفنية المتردية، مثلما أسهمت بعض الرؤى المتغربة في ذلك أيضاً. وكانت النتيجة هي ما نراه من تشوه في الوعي، وتمزق في الوجدان، واختلال في عمليات التنشئة على المستويات الفردية والجماعية، ومن ثم تكونت أجيال مجروحة الهوية في مختلف مجتمعاتنا المعاصرة. وكان للمدارس الأجنبية التي نشأت في بلادنا الإسلامية دور خطير في تشويه وجدان أجيال عدة من أبناء المجتمعات الإسلامية، وخاصة من أبناء الطبقات العليا وأصحاب السلطة والثروة. وقد كان إنشاء ثلاثة آلاف مدرسة أجنبية في أرجاء الدولة العثمانية -خلال القرن التاسع عشر وحتى إلغاء الخلافة في سنة 1924- كفيلاً بتكوين نخبة منفصلة عن هويتها ومعادية لأمتها؛ نتيجة ما تلقته من مقررات تربوية وفنية وتعليمية تنتمي لتراث فلسفي وحضاري له مقاصد وغايات لا تنسجم بالضرورة مع غايات المجتمعات الإسلامية، ولا مع مقاصدها العامة.

إن أهم ما يكشف عنه التاريخ الحديث والمعاصر للفنون في مجتمعاتنا الإسلامية هو أنها أصبحت في خدمة عمليات إعادة تشكيل الوجدان الفردي والجماعي بعيداً المرجعية الإسلامية ومقاصدها العامة؛ بل وعلى نحو معاد لهذه المرجعية. ونعتقد أن "الفنون الحديثة" في بلادنا بجملتها قد أسهمت في تعميق حالة الانقسام الثقافي بين اتجاهات متعارضة؛ بعضها يتمسك بهويته الموروثة، وبعضها ينفتح على هويات وثقافات أخرى وافدة. وكان من نتائج ذلك أن مجتمعاتنا عاشت ولا تزال تعيش ضمن سيناريوهات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ليست فاعلة فيها ولا منتمية وجدانياً إليها؛ بل كانت في أغلب الأحوال مادة استعمالية لتلك السيناريوهات. وبمرور الوقت زادت التحديات التي تواجه مبدعي الفنون الجميلة الإسلامية، وزاد انفصالهم عن استلهام مقاصد الشريعة، وزاد ابتعادهم عن خدمة هذه المقاصد. وبات من يتصدى للإبداع الفني والجمالي بمرجعية إسلامية بحاجة ماسة إلى تأهيل رفيع المستوى، وحرفية بارعة، ورؤية فلسفية واسعة الأفق تستجيب لمقاصد الشريعة وتكون في خدمتها، على النحو الذي كان عليه أسلافه من مبدعي الفنون الجميلة في عصور الازدهار الحضاري الإسلامي.

ثانياً: نظام الوقف ودوره في تكوين الثروة الفنية والأثرية

ارتبطت الفنون الجميلة في نشأتها وتطورها ببعض الأنظمة الشرعية، وأسهمت تلك الأنظمة بدور كبير وممتد - عبر أحقاب زمنية متطاولة - في غرس تلك الفنون وجمالياتها في الوعي الاجتماعي العام، وكان نظام الوقف من أهم تلك الأنظمة الشرعية التي نمت في ظلها الفنون الجميلة وتنوعت وازدهرت على مر العصور. وقد كشفنا في دراسة سابقة لنا عن أن نظام الوقف الإسلامي قد كان له دور فاعل وحيوي في خدمة المقاصد العامة للشريعة بصفة عامة(20). ونبين هنا كيف أن نظام الوقف قد دعم القيم الجمالية والفنية في حضارتنا الإسلامية ووضعها في خدمة مقاصد الشريعة أيضاً. ونحاول الكشف عن بعض أسرار علاقة نظام الوقف بالآثار والفنون الجميلة؛ حيث لا يعرف الكثيرون أن الفضل يرجع إلى "نظام الوقف الإسلامي" في وجود وبقاء عدد من المباني والمنشآت الأثرية ذات القيمة التاريخية والفنية والمعمارية التي نستمتع بمشاهدتها، وتزخر بها معظم المدن والحواضر العربية والإسلامية، ومن أهم هذه الآثار الوقفية: المساجد، والجوامع، والأسبلة، والتكايا، والحمامات الشعبية، والأسواق، والقيساريات، والقصور، والقباب، والأضرحة، والمقامات، والعتبات المقدسة، والمزارات الشريفة، والقلاع والحصون والأسوار الحربية؛ ومثل تلك الآثار تزينها - في أغلب الحالات - نقوش بديعة، وزخارف ورسومات رائعة الجمال، فضلاً عن محتوياتها من أعمال الفنون الجميلة مثل التحف، والمقتنيات النادرة من السيوف، والمنابر، والمصاحف، والمخطوطات، والقناديل، والثريات، والأواني، والمشغولات الذهبية والفضية، والسجاجيد، وما شابه ذلك.

من أين أتت العلاقة بين الوقف من ناحية، ومقاصد الشريعة، والآثار وأعمال الفنون الجميلة الموروثة عن العهود الإسلامية السالفة من ناحية أخرى؟ وما الذي يفسر الارتباط بين نظرية عملاقة مثل "نظرية المقاصد" ونظام اقتصادي اجتماعي فرعي ذي طابع ديني -هو الوقف- وبين عالم الفنون الجميلة والآثار؟ إن ثمة أكثر من مصدر لتلك العلاقة منها الآتي:

1 - قيام الوقف على فكرة "الصدقة الجارية" التي ذكرها الرسول -صلي الله عليه وسلم- في حديثه الذي يقول: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"(21). والصدقة الجارية فكرة مجردة، فتحت أبواب الخيال في أعمال الخير على مصراعيه. ودعم من ذلك سعة أفق المسلمين الأوائل في فهمهم للحكمة من هذه الفكرة التي نبع منها نظام الوقف، فهم لم يقْصروا هذه الفكرة على مجرد إعطاء إحسانات نقدية أو عينية للفقراء وذوي الخصاصة؛ وإنما انطلقوا بها إلى كافة ميادين الخدمات والمرافق العامة، وحولوها إلى مؤسسات نافعة منها: الجوامع، والمدارس، والأسواق، ومشافي العلاج (البيمارستانات)، وأسبلة مياه الشرب النقية، والتكايا، والمكتبات العامة… إلخ.

ولما كان الأصل المعنوي للوقف هو أنه عمل من أعمال التقوى، وقربة إلى الله تعالى طمعاً في نيل ثوابه ودخول جنته، ولأن الله جل شأنه جميل يحب الجمال، وطيب لا يقبل إلا طيباً؛ فقد اجتهد الواقفون على مر الزمن في أن تكون قرباتهم الوقفية -تلك المؤسسات التي أشرنا إليها- في غاية الإتقان، وآية من آيات الجمال الفني والمعماري الأثري؛ وبخاصة أنها حملت أسماءهم -في كثير من الحالات- وخلدت ذكراهم، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الجامع الأزهر، وقبة السلطان الغوري، وسبيل محمد علي بشارع المعز لدين الله، وشقيقة النعمان بالخيامية (وهي كلها من أوقاف وآثار مدينة القاهرة)، والجامع الأموي بدمشق(22)، والتكية السليمانية التي أمر بإنشائها ووقفها السلطان سليمان بن سليم الأول على أنقاض القصر الأبلق للملك الظاهر بيبرس عند المدخل الغربي لمدينة دمشق، وهي من آثارها المعمارية الرائعة، وقد وردت أوصافها المعمارية في حجة وقف السلطان سليمان القانوني(23).

2 - ساعد في توثيق العلاقة بين الوقف والآثار أن الفقهاء قد جعلوا للوقف حرمة مصانة، ولمؤسساته قدسية تجب المحافظة عليها، وقد تجلَّى ذلك فيما أكدوا عليه من أن "شرط الواقف كنص الشارع في لزومه ووجوب العمل به"؛ أي أن ما يضعه "الواقف" من شروط ومواصفات خاصة لوقفياتهم وكيفية إدارتها تكون واجبة التطبيق كوجوب تطبيق الأحكام والأوامر الشرعية، سواء تعلقت تلك الشروط بإنشاء مؤسسات خدمية أم خيرية، أم تعلقت بحجم الإنفاق عليها وصيانتها وتجميلها وتجديدها كلما لزم الأمر.

وقد دعمت الأحكام التفصيلية لفقه الوقف إمكانية بقائه لأزمنة متطاولة؛ ومن تلك الأحكام: حكم التأبيد - عند بعض الفقهاء - وعدم جواز الرجوع في الوقف أو الإخلال بأي من شروط الواقف المتعلقة بصرف ريع الأعيان الموقوفة؛ إذ نصوا على أولوية الإنفاق على ما فيه بقاؤها، والمحافظة على المؤسسات الوقفية كالجوامع والمدارس والتكايا …إلخ، حتى ولو استغرق هذا البند كل الريع. كما حذروا من تبديله أو إلغائه، وخاصة إذا كان مخصصاً للخيرات والمنافع العمومية، وقرروا كثيراً من الأحكام التي جعلت للوقف ولمؤسساته ومنشآته المختلفة "شخصية اعتبارية" قائمة بذاتها، ومستقلة عن شخصية الواقف وعن ذمته القانونية بحيث لا تزول شخصية المؤسسة الوقفية بموت الواقف، بل تستمر وتبقى صالحة لتحمُل الالتزامات والتمتع بالحقوق، والمطالبة بها إذا سلبها ذوو الأيادي القوية والنفوس الضعيفة. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الفقهاء أسندوا للقضاء سلطة الولاية العامة على الأوقاف، وعقدوا له وحده الاختصاص الولائي إلى جانب الاختصاص القضائي في النظر في جميع المسائل المتعلقة بالوقف وشؤونه(24)؛ فسوف يتضح لنا أن تلك القواعد الفقهية والمبادئ التشريعية والتقاليد القضائية قد أسهمت على نحو تلقائي -وغير متعمد- في خدمة المنشآت والمباني الأثرية؛ إذ أحاطتها بكثير من الضمانات المعنوية والقانونية التي كفلت لها البقاء والاستمرار؛ حتى صارت -بمرور الزمن- في ذمة الآثار وفنونها الجميلة، ونظمتها القوانين والتشريعات الحديثة، ودخلت في مسئؤولية هيئات حكومية رسمية مختصة بشؤون الفنون والآثار والثقافة في البلدان الإسلامية.

3- أسهمت التشريعات القانونية واللائحية الحديثة والمعاصرة أيضاً في المحافظة على الآثار الوقفية وفنونها ومقتنياتها النادرة؛ وذلك بتنظيم مهمة الإشراف عليها وإسنادها إلى هيئات متخصصة ومسؤولة. وكانت تلك الهيئات في أول الأمر متمثلة في الدواوين الحكومية للأوقاف أو وزارتها، ثم انتقلت إلى هيئات الآثار والسياحة والثقافة؛ بحسب النظام المعمول به في كل بلد من بلدان العالم الإسلامي.

والحاصل هو أن "الوقف" كان إحدى آليات تكوين الثروة الفنية والأثرية ومصدراً من مصادر تراكمها عبر العصور في مختلف البقاع الإسلامية(25). وتجلى في نموذج العمارة الوقفية أنه قام على خمسة مبادئ رئيسة كانت داعمة لتكوين تلك الثروة الفنية والأثرية الوقفية. وهذه المبادئ هي: الإتقان والمتانة، والمنفعة والوظيفية، والنمو والبقاء، والذوق والجمال(26). وكانت فنون العمائر الوقفية وجمالياتها ذات إشعاع روحي يبعث في النفس الطمأنينة والراحة بما أنه تذكير دائم بمعنى الخير وأهميته في دنيا الإنسان وفي آخرته؛ كما كانت ذات جمال مرئي عبرت عنه معايير الجودة والإتقان واختيار الأفضل؛ لأنه قربة إلى الله تعالى. وحافظت أعمال الصيانة والترميم على بقاء تلك العمائر، وزيادة قدرتها على تحدي عوادي الزمن واعتداءات البشر. وإذا كان "الخلود" هو السمت الأول للآثار، فإن التأبيد هو السمت الأول للأوقاف الخيرية؛ ومن هنا ضمن سمت "التأبيد" دخول عديد من العمائر الوقفية في ذمة الآثار، وضمن مبدأ "القربة" إبداع كثير من الفنون الجميلة في تلك العمائر الوقفية.

ثالثا: الفنون الجميلة والآثار الوقفية في مصر الحديثة

مع بدايات القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي، كان المقتنيات الفنية والمباني والعمائر الأثرية المتراكمة بفعل نظام الوقف الإسلامي قد انتشرت في معظم المدائن والحواضر المصرية، وتنبهت الإدارة الحكومية المصرية الحديثة في عهد محمد علي باشا إلى أهمية تلك الموروثات الوقفية، واعتبرتها مصدراً من مصادر تكوين الثروة الأثرية في مصر بصفة عامة. وحفظت لنا سجلات ووثائق تلك الفترة وقائع الاهتمام الحكومي الرسمي بالآثار الوقفية؛ ومن ذلك أنه حدث في سنة 1242هـ - 1826م أن تقدم بعض الباحثين الإنجليز عن الآثار في مصر بطلب إلى محمد علي باشا للحصول على إذن منه ليسمح لهم بخلع عتبة "جامع الميرآخور" بباب النصر بالقاهرة؛ لأن على تلك العتبة خطوطاً أثرية قديمة، فكان جواب الباشا هو الرفض الشديد، وتقول الوثيقة التي سجلت الواقعة: إن محمد علي طلب "تفهيمهم عدم جواز ذلك، وأن يقال: إننا ما زلنا نسمح لهم بإعطاء كل حجر يجدونه في مواضع مختلفة، فلا يصح أن نعطيهم الأحجار التي في مباني الجوامع أيضاً"(27). ومعلوم فقهاً وقضاء أن المسجد وما وقف عليه لا يكون إلا وقفاً مؤبداً لا يجوز تغييره أو تبديده أو التفريط فيه على أي نحو كان.

واستمر الاهتمام الرسمي بالمؤسسات الوقفية في عهد محمد علي، وتضمنت اللائحة الأولى لديوان عموم الأوقاف الذي أنشأه في سنة 1251هـ- 1835م نصوصاً كانت في معظمها متعلقة بالمحافظة على الجوامع والتكايا وأسبلة المياه الموقوفة، كما أن اللائحة الثانية للديوان الصادرة في سنة 1276هـ- 1851م في عهد عباس باشا الأول قد تضمنت نصوصاً مشابهة لما نصت عليه اللائحة الأولى بشأن حماية العمائر والمنشآت الوقفية.

ثم صدر في 18/12/1881م أول دكريتو (قانون) بتشكيل "لجنة حفظ الآثار العربية القديمة" تحت رئاسة "ناظر عموم الأوقاف"(وزير الأوقاف)، وكان من المهام الرئيسة لتلك اللجنة -بحسب نص الدكريتو- "ملاحظة صيانة الآثار العربية، وإخبار نظارة الأوقاف بالإصلاحات والمرمَّات المقتضى إجراؤها"، وذلك حتى يمكن للنظارة أن تطابق الإصلاحات المراد عملها مع "شروط الواقفين" المنصوص عليها في حجج وقفياتهم بخصوص ما سيتم إصلاحه، على أن يكون تمويل ذلك من ريع الأوقاف الداخلة تحت إشراف نظارة الأوقاف".

حماية الآثار من مسؤوليات وزارة الأوقاف:

في سنة 1918م صدر القانون رقم 8 بشأن "حماية آثار العصر العربي"، ونصت مادته الأولى على (أنه يعد أثراً من آثار العصر العربي كل ثابت أو منقول يرجع عهده إلى المدة المنحصرة بين فتح العرب لمصر وبين وفاة محمد علي في منتصف القرن التاسع عشر؛ مما له قيمة فنية أو تاريخية أو أثرية، باعتباره مظهراً من مظاهر الحضارة الإسلامية)، ونصت المادة نفسها -أيضًا- على سريان أحكام القانون "على ما له قيمة فنية أو أثرية من الأديرة والكنائس القبطية المعمورة التي تُقام فيها الشعائر الدينية، وتكون وزارة الأوقاف هي المسؤولة عن تسجيل تلك الآثار والإشراف عليها وصيانتها، كما نص القانون أيضاً على أنه " لا يجوز إجراء أي تعديلات أو تجديدات على تلك الآثار إلا برخصة من وزارة الأوقاف، بعد أخذ رأي لجنة حفظ الآثار العربية(28). وتشير الأعمال التحضيرية لذلك القانون إلى أن الأعيان الموقوفة التي تنطبق عليها أحكامه شملت الجوامع، والخوانق، والأسبلة، وبعض الكنائس، ومخطوطات الكتب، والعُملات، والسيوف، وما شابه ذلك من المقتنيات الأثرية التي هي -في الوقت نفسه- من أعمال الفنون الجميلة. وكان آخر القوانين التي اطلعنا عليها بهذا الشأن: القانون رقم 117 لسنة 1983م الذي أعطى صلاحيات واسعة للجنة المحافظة على الآثار الإسلامية، ومن ذلك حقها في إخلاء أو إزالة التعديات على الآثار الموقوفة، مقابل تعويض بأوامر إدارية ودون اللجوء للقضاء. ومن المؤسف أنه لا توجد إحصاءات رسمية شاملة بالآثار الوقفية في مصر؛ والذي توصلنا إليه هو فقط إحصاءات جزئية لبعض الآثار في بعض الأحياء بمدينة القاهرة مثل أحياء: الجمالية، والدرب الأحمر، والأزهر، وكلها إحصاءات تتعلق بالتعديات على الآثار الوقفية بتلك الأحياء(29).

وقد استمر إشراف وزارة الأوقاف على قطاع الآثار المصري برمته إلى سنة 1936م، ثم نُقل إلى وزارة المعارف في تلك السنة، ثم أصبحت هناك هيئات رسمية متخصصة بعضها يتبع وزارة الثقافة، وبعضها الآخر يتبع وزارة السياحة، وذلك في أعقاب ثورة يوليو سنة 1952م، وانحسر اختصاص وزارة الأوقاف عن هذا المجال، وأصبح مقتصراً فقط على إدارة الأعيان الموقوفة واستغلالها اقتصادياً؛ للإنفاق على المنشآت والمباني الأثرية صاحبة الاستحقاق في ريع تلك الأوقاف.

2ـ تأسيس متحف الفن الإسلامي بالقاهرة لحفظ المقتنيات الوقفية:

إذا انتقلنا إلى المتاحف الإسلامية وأعمال الفنون الجميلة التي تذخر بها، فسوف نلحظ الدور البارز للأوقاف في إنشاء هذه المتاحف وإثرائها بفنونها المتنوعة. وتشير وقائع نشأة متحف الفن الإسلامي بالقاهرة إلى أن التفكير في إنشائه قد بدأ سنة 1892م لجمع المقتنيات الوقفية ووضعها فيه وعرضها على الجمهور العام(30). وفي سنة 1899م طلبت "لجنة حفظ الآثار العربية" من الحكومة المصرية آنذاك أن تقوم بوقف بعض الأطيان الأميرية الحرة "على ذمة الأنتكخانة العربية"، ولكن اللجنة المالية -التي كان يسيرها صندوق الدين الأجنبي آنذاك- رفضت فكرة الوقف، واكتفت بتخصيص ريع الأطيان للغرض المقصود تخصيصاً إدارياً فقط؛ والسبب هو أن صندوق الدين كان يعارض سياسة تحويل الأراضي الأميرية إلى الأوقاف؛ لأن وقفها كان يخرجها من دائرة نفوذه وسيطرته على مالية البلاد(31).

وتكشف "وثائق لجنة الآثار العربية" -بما فيها وثائق تأسيس متحف الفن الإسلامي بباب الخلق بالقاهرة- عن عزم اللجنة آنذاك على العناية بتلك الآثار التي حفظتها المؤسسات الوقفية على مر العصور السالفة؛ من أجل إعادة توظيفها لتكون "من وسائط الرقي في الصناعة الشرقية، والمحافظة على خصوصية التراث، ولجذب السائحين، على حد ما عبر عنه دكريتو تعيين قومسيون للآثار التاريخية بمصر(32).

والزائر لمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة اليوم يجد أن كثيراً من مقتنياته عبارة عن آثار وقفية من الثريات، ومنابر المساجد، والسيوف، والمشغولات الذهبية، والمصاحف، والدروع، وغير ذلك من التحف النادرة التي تمّ جمعها من مصادر مختلفة؛ كان من أهمها المؤسسات والمباني الوقفية القديمة. وتوجد فيه أيضاً بعض الوقفيات الأثرية التي خصصها الأمير يوسف كمال -من أعضاء الأسرة العلوية بمصر- التي وقفها تباعاً من سنة 1913م إلى سنة 1927م. وقد سجل الأمير يوسف كمال وقفياته الأثرية بموجب إحدى عشرة حجة بمحكمة مصر الشرعية، وكان أولها بتاريخ 20 من محرم سنة 1330هـ - 18 من فبراير سنة 1913م، أما آخرها فهو بتاريخ 21 من شعبن سنة 1345هـ - 14 من فبراير 1927م(33).

وقد اشتملت وقفيات الأمير يوسف كمال على مجموعات نادرة من المقتنيات الأثرية، من نفائس التحف ذات القيمة العالية في فنها وجمالها الذي لا يقدر بثمن. وحرص الواقف على تسجيل القطع الأثرية التي وقفها قطعة قطعة، مع وصف تفصيلي لكل منها، وذكر منشأ صناعتها، وتاريخ صنعها وثمنها الذي قدرت به (في سنة وقفها)؛ وهي تشمل مجموعات من الأطباق والصحون، والأباريق، والثريات، والخناجر، والسيوف، والمشغولات الفضية والذهبية، واللوحات الفنية، وكلها ذات نقوش وزخارف ورسوم مبهجة وبارعة في الجمال، وتنتمي إلى بلدان متعددة من الصين شرقاً إلى تركيا شمالاً، ومراكش غرباً، والسودان جنوباً، ويرجع تاريخها إلى عصور مختلفة؛ منها القديم، ومنها الوسيط، ومنها الحديث. وقد بلغ عدد القطع التي وقفها 495 قطعة -أربعمائة وخمسا وتسعين قطعة- وأمر بنقلها بعد أن وقفها إلى: "دار الآثار العربية الإسلامية المصرية" بجهة باب الخلق؛ لينتفع بها استغلالاً فقراءُ المسلمين، وبرؤيتها ومشاهدتها الصناعُ والمخترعون، وغيرهم من الهيئة الاجتماعية تعلماً واستفادة ومشاهدة، ويصرف ريعها-من الرسوم التي يدفعها الزائرون- للفقراء والمساكين على الدوام"(34). وانطوى هذا النص على فكرة مبدعة في تراث حجج الأوقاف وهي أن الواقف قد جمع بين متعة الأغنياء، واستفادة طلاب العلم وأرباب الفنون من جهة، وإعانة الفقراء والمساكين من جهة ثانية.

اشترط الأمير يوسف كمال- أيضاً - في وقفيته على المتحف الإسلامي أنه "ليس للنظار على هذا الوقف ولا لأي قاضٍ شرعي، ولا لأحد غيرهم حق مطلقاً في بيع الأشياء الأثرية الموقوفة، ولا أي منها، ولا هبته، ولا استبداله، ولا تغييره؛ بل تبقى وقفاً محفوظًا على وجه ما ذكر"، وأن يكون النظر عليها لكل من يكون ناظراً لوزارة الأوقاف المصرية بصفته؛ فإن تعذر يكون النظر لمن يقرره قاضي المسلمين الشرعي بمصر"(35).

وإضافة إلى ما سبق قام الأمير "يوسف كمال" في سنة 1925م بوقف مجموعات أخرى من القطع الأثرية "صناعة الصين"، ومجموعات من الأقمشة القبطية التي يرجع تاريخها إلى القرنين السابع والثامن للميلاد، ومجموعات من "اللوحات الفنية" والكتب والمراجع الخاصة بالفنون الجميلة وبالعمارة، وبعض الصور المجسمة، وجعلها وقفاً ليستفيد منها المشاهدون وطلاب العلم والمبدعون دون مقابل، وقد وضعها في ضيعة الوقف ونقلها إلى المتحف تحصيناً لها، وضماناً لبقائها وعدم ضياعها. ولا يعرف أحد أين ذهبت أغلبية هذه الموقوفات بعد أن تعرضت للنقل من مكانها أكثر من مرة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؟!.

3 - إنشاء أول مدرسة وقفية للفنون الجميلة:

انفتح نظام الوقف أيضاً على تعليم الفنون الجميلة وتأهيل المختصين في إنتاجها تأهيلاً نظرياً وعملياً في آن واحد. وكان من مآثر الأمير يوسف كمال - أيضاً - أنه بادر بإنشاء أول مدرسة متخصصة في تعليم أصول الفنون الجميلة وذلك في سنة 1908م، وأجازت المحكمة الشرعية العليا الوقف على تلك المدرسة إجازة شرعية لا لبس فيها. وكان مقر المدرسة في "درب الجماميز بالقاهرة"، وأوقف الأمير يوسف كمال عليها مساحة قدرها 127 فداناً من الأراضي الزراعية الواقعة بزمام مديرية المنيا بصعيد مصر، وأوقف عليها أيضاً عدة عقارات بمدينة الإسكندرية، وقد نص في حجة وقفه على أن يصرف ريعها "فيما يلزم لتدريس وتعليم مائة وخمسين تلميذاً، يكون الثلثان منهم من المصريين، والثلث من الأجانب، دون التفات إلى الجنسية والدين(حسب نص حجة الوقف)، ويكون تعليمهم مجاناً -بغير استثناء- العلوم العصرية التي منها الخطوط العربية، والنقوش البارزة، وأشغال العمارات، والتصميمات والرسومات وغير ذلك"، وكما أسلفنا فقد أجازت محكمة مصر الشرعية الكبرى حجة وقف الأمير بما تضمنته من تلك الشروط الفنية، وذلك بتاريخ 14 جمادى أولى 1327هـ - 3 يونيو 1909م(36). ويستفاد من ذلك عدم وجود مانع شرعي للوقف على مثل تلك الأغراض - الفنون الجميلة وتعلمها- طبقاً لما ورد في حجة الوقف، بموافقة القاضي الشرعي؛ بما في ذلك موافقته على "أن يقوم بالتدريس مدرسون من فرنسا وإيطاليا، وأن تمنح ميدالية برونزية لكل من الطالب الأول والثاني من الناجحين بالفرقة النهائية، مكتوب على أحد وجهي الميدالية " إنَّا فتحنا لك فتحًا مبيناً " وعلى الوجه الآخر " تذكار من الأمير يوسف كمال"(37). ثم عاد الأمير وغير من شروط وقفيته في سنة 1927م وجعل ريعها مخصصاً لإرسال بعثات علمية من المائة وخمسين طالباً ليتعلموا الفنون الجميلة في جامعات فرنسا وإيطاليا.

وإلى الأمير يوسف كمال ووقفياته ومدرسة الفنون الجميلة - التي أشرنا إليها - يرجع الفضل في اكتشاف عدد كبير من مبدعي الفنون الجميلة، وأكثرهم شهرة "محمود مختار"(10 مايو1891 - 28 مارس1934)، وهو رائد فن النحت والتماثيل في العالم العربي في العصر الحديث. ومن أشهر أعماله "تمثال نهضة مصر"، وله متحف معروف باسمه، ويعد مقصدا لدارسي الفنون من مختلف البلدان. ومن السيرة الذاتية لمختار عرفنا أنه قدم إلي القاهرة عام‏1902‏ وعاش في أحيائها القديمة. وكانت على مقربة منه مدرسة الفنون الجميلة التي أنشأها الأمير يوسف كمال في "درب الجماميز" عام ‏1908، فالتحق بصف أول دفعة، وهو في السابعة عشرة من عمره، وبدت موهبة مختار ساطعة للأساتذة الأجانب، مما حدا بهم إلى تخصيص "مرسم خاص" له، ضمن مبنى المدرسة؛ لإعداد منحوتاته بها، من تماثيل، وأشكال تستعيد مشاهد الريف، وملامح رفاق الحي. ودفعت موهبته راعى المدرسة -الأمير يوسف كمال- إلى أن يبعثه إلى باريس؛ كي يتم دراسته هناك.

**********************

الهوامش:

*) رئيس قسم الرأي العام، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية مصر.

1)        انظر: جوزيف شاخت، وكليفورد بوزورث: تراث الإسلام - الجزء الأول، ترجمة محمد زهير السمهوري وآخرين (الكويت: عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكتاب رقم 11)، ص297.

2)        لمعرفة مزيد من التفاصيل عن الخلفيات التاريخية لنشأة الفنون الإسلامية وتطورها وتأثرها بفنون الحضارات الأخرى انظر: عمر رضا كحالة، الفنون الجميلة في العصور الإسلامية (دمشق: المطبعة التعاونية، 1972م) ص5-21.

3)        لمزيد من المعلومات عن أهم تلك المعارض الفنية الإسلامية التي أقيمت تباعاً منذ أواخر القرن التاسع عشر انظر: جوزيف شاخت.، مرجع سابق، ص322.

4)        تم افتتاح "متحف السلام عليك أيها النبي" في مكة المكرمة مع مطلع العام الهجري الجديد 1434هـ-يناير 2013م. والمتحف يحتوي على 1500 قطعة من الآثار وأعمال الفنون الجميلة القديمة التي كانت على عهد النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، أو هي محاكاة لها. وهو توثيق لعصر النبي وصحابته الكرام. وقد لقي المتحف إقبالاً كبيراً وترحيباً واسعاً من جمهور المسلمين. الأمر الذي يؤكد أهمية الفنون الجميلة في مخاطبة الوجدان وترقية المشاعر، وغرس القيم النبيلة في نفوس الناس.

5)        روجيه جارودي، وعود الإسلام (القاهرة: مكتبة غريب، 1976) ص190.

6)        ابن سينا، كتاب النجاة (القاهرة: معهد المخطوطات العربية، 1938) ص79.

7)        دومينيك أورفوا، تاريخ الفكر العربي الإسلامي. ترجمة رندة بعث، مراجعة سهيل سليمان (بيروت: المكتبة الشرقية، 2010م) ص540.

8)        أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين(بيروت: دار المعرفة للنشر، ب.ت)، ج2، ص316.

9)        انظر: أبو حامد الغزالي، مرجع سابق،، ج2، ص305.

10)    المرجع السابق،، ج2، ص306

11)    محمد عمارة، الإسلام والفنون الجميلة (القاهرة: دار الشروق، 1411هـ - 1991م) ص7.

12)    المرجع السابق، ص11.

13)    على عزت بيجوفتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس(القاهرة: دار النشر للجامعات، الطبعة الثانية، 1997م) ص146.

14)    المرجع السابق، ص137ـ 176.

15)    للإلمام بمجمل آراء طائفة كبيرة من فلاسفة الغرب وعلمائه انظر بصفة خاصة: محمد علي أبو ريان، فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993م). ص25ـ49 وأيضاً الفصل الثاني من ص65ـ79.

16)    انظر: "الموسوعة الفلسفية" السوفيتية، إشراف ف روزنتال، وب. يودين، ترجمة سمير كرم(بيروت: 1974) مادة الجمالي والأخلاقي..

17)    أحمد مصطفى القضاة، الشريعة الإسلامية والفنون (بيروت: دار الجيل. عمان: دار عمار، 1408هـ - 1988م) ص25.

18)    منها مثلاً كتاب: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللخمي بن الرامي البناء، الإعلان بأحكام البنيان، تحقيق فريد بن سليمان(تونس: دار النشر الجامعي، 1999). وكتاب: زكي محمد حسن، أطلس الفنون الزخرفية والتصاوير الإسلامية(القاهرة: مطبعة مصر 1937). وكتاب: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أغسطس 1988). وانظر قائمة ببلوجرافية بعناوين مراجع في الفنون الإسلامية ملحقة بهذا البحث.

19)    أبو الحسن على بن حبيب الماوردي (ت: 450 هـ): تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، تحقيق ودراسة: رضوان السيد(بيروت: مركز ابن الأزرق لدراسات التراث السياسي، 1432هـ/ 2012م).

20)    إبراهيم البيومي غانم، "مقاصد الشريعة في مجال الوقف"، في: محمد سليم العوا (محرر)، مقاصد الشريعة الإسلامية: دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق(لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2006م). ص425ـ483.

21)    رواه الإمام مسلم في صحيحه.

22)    انظر مثلا: عفيف البهنسي، الجامع الأموي الكبير: أول روائع الفن الإسلامي(دمشق: دار طلاس للترجمة والدراسات والنشر، 1988).

23)    لمعرفة تفاصيل وقفية التكية السليمانية انظر: جعفر الحسني، التكية السليمانية في دمشق، مجلة المجمع العلمي العربي، دمشق، الجزء الثاني، المجلد الحادي والثلاثون 1 نيسان، أبريل 1956م، 19 شعبان 1357هـ، ص222-450.

24)    لمزيد من التفاصيل حول أصول البناء المؤسسي لنظام الوقف انظر كتابنا: الأوقاف والسياسة (القاهرة: دار الشروق 1998م).

25)    كان للوقف دور كبير في تكوين الثروة الفنية والأثرية في الدولة العثمانية انظر لمحة عامة عن ذلك في: نعمان ترك أوغلو، مؤسسة الأوقاف والاقتصاد العثماني: الأوقاف والخدمات العامة، مجلة حراء، إسطنبول، العدد 31، يوليو/أغسطس 2012.

26)    نوبي محمد حسن، قيم الوقف والنظرية المعمارية: صياغة معاصرة، مجلة "أوقاف" - الكويت - العدد 8 - مايو 2005م.

27)    دار الوثائق بالقاهرة، محفظة الأبحاث رقم 127، ملخص مكاتبة بتاريخ 26 شوال 1242هـ.

28)    انظر: الأوقاف والسياسة.، مرجع سابق، ص159.

29)    المرجع السابق، ص160.

30)    انظر المكاتبة بشأن إقامة متحف الفن الإسلامي المؤرخة في 6/6/1892م، دار الوثائق القومية: محافظ عابدين، محفظة رقم 163.

31)    انظر: الأوقاف والسياسة، مرجع سابق، ص286-287.

32)    من وثيقة محفوظة في: (دار الوثائق بالقاهرة- محافظ عابدين- محفظة رقم 163).

33)    جميع حجج الأمير يوسف كمال التي أشرنا عليها محفوظة في سجلات وزارة الأوقاف المصرية، ولها صور بملف التولية رقم 1505 الخاص بمستندات أوقاف الأمير يوسف كمال.

34)    حجة وقف الأمير يوسف كمال المحررة بتاريخ 20 المحرم سنة 1330 - 18/2/1913م أمام محكمة مصر الشرعية(سجلات وزارة الأوقاف. سجل/مصر - مسلسلة رقم 77.

35)    انظر كتابنا: الأوقاف والسياسة، مرجع سابق، ص287.

36)    حجج وقفيات الأمير يوسف كمال، سبقت الإشارة إليها.

المرجع السابق نفسه.