﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] ***** عمارة الأرض بي

: العدد

الثالث والأربعون

: السنة

الثانية عشرة

شتاء, 1435هـ / 2014 م

نظرية السعادة ووسائل تحقيقها في الفلسفتين اليونانية والإسلامية
منى أحمد أبو زيد(*


تُعد «السعادة» من الأمور التي شغلت فكر الإنسان منذ القِدم وهام بها، ولا يزال يبحث عنها. والبشر أجمعون ينشدون «السعادة»، حتى وإن لم يعرفوا -على وجه الدقة- ما عسى أن تكون تلك السعادة التي يصبون إليها.

 وكانت نظرية «السعادة» نظرية أخلاقية في أساسها، شغلت مفكري الأخلاق قديمًا، وما زالت تشكل محورًا أساسيًّا في الفكر الأخلاقي حتى يومنا هذا، وهي تمثل الغاية التي ينشدها الإنسان من وراء سلوكه.

 وقد جرت العادة على تناول موضوع «السعادة» في إطار فلسفة الأخلاق؛ ولكن الواقع أن هذا الموضوع أوسع بكثير من أن يكون مجرد موضوع من موضوعات فلسفة الأخلاق، فهو لا يقتصر على الميادين الفكرية والفلسفية، والأديان، والسياسة، والفلسفة الاجتماعية، والأفعال السلوكية والنفسية؛ بل إنه يدخل في قلب حياة الإنسان كذات واعية وعاقلة. وهذا الإطار يتعدى بكثير حدود فلسفة الأخلاق. وبعبارة أخرى فإن تحقيق «السعادة» موضوع يهم كل إنسان من حيث هو إنسان، ولا يهم الفيلسوف أو المفكر فقط.

 ومع ذلك فلا جدال في أن معرفة «السعادة» وطرق تحقيقها يدخل ضمن اهتمامات فيلسوف الأخلاق، إذا أخذنا فلسفة الأخلاق على أنها البحث في مبادئ السلوك الإنساني وغاياته؛ لأن السعادة تدخل في نطاق غايات هذا السلوك.

 وتشتمل هذه الدراسة على أربعة عناصر هي:

أولاً: مفهوم السعادة.

ثانيًا: السعادة هي الخير الحقيقي.

ثالثًا: السعادة وطرق تحقيقها.

رابعًا: موانع تحقيق السعادة.

أولاً: مفهوم السعادة:

 لا يُعَدّ مفهومُ «السعادة» -ككل المفاهيم السلوكية والفكرية عامة- مفهومًا مطلق المعنى والمضمون، بل إن مضمونه يختلف من حضارة إلى أخرى، ومن فلسفة إلى غيرها. ولذا سنعرض لمفهوم السعادة من الجانب اللغوي، ثم من الجانب الاصطلاحي عند كل من الفلسفتين اليونانية والإسلامية.

 كلمة السعادة مشتقة لغويًا من كلمة السع وسعده الله وأسعده أي: أعانه على نيل الخير فهو سعيد، وعلى هذا فإن السعادة تقترن بالسعد، سَعِدَ المرء يَسْعَدُ سَعْداً. ويقول بعضهم: إن السعادة معاونة الله للإنسان على نيل الخير، وإن السعد هو التوفيق.

 وتُعرف السعادة اصطلاحا عن طريق تعريفها بالضد؛ فيقال: السعادة ضد الشقاوة، وهي الرضا التام بما تناله النفس من الخير. وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة؛ وقد ذهب السوفسطائيون إلى أن السعادة هي الاستمتاع بالأهواء. أما سقراط (ت399ق.م) فيرى أن السعادة ليست في الجمال ولا في القوة ولا في الثراء أو المجد، ولا هي في المظاهر الخارجية؛ ولكنها حالة معنوية خالصة؛ فالسعادة عنده ليست في إشباع اللذات، وإنما في التمسك بالفضيلة(1).

 واتبع أفلاطون (ت347ق.م) اتجاه أستاذه سقراط، ورأى أن السعادة في إتباع الفضيلة. ويلاحظ القارئ لفلسفة أفلاطون الأخلاقية أن مفهوم السعادة عنده يختلط كثيرًا بمفهوم الخير الأقصى أو الخير الأسمى، وهو ما نادى به في محاورة «الجمهورية»، وقد فرّق في ختام محاورة «فيدون» بين لذات نافعة هدفها تحقيق الخير، ولذات لا توصل إلى الخير، وينتهي إلى أن من يعرف ما هو الخير يصل إلى طريق السعادة التي تليق بالإنسان العاقل(2).

 أما أرسطو (ت322 ق.م) فقد نقد تصورات الناس حول السعادة في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس» قائلاً: إن الناس اختلفوا في حد السعادة؛ فقال بعضهم: إنها شيء من الأمور الظاهرة البينة؛ مثل اللذة أو الغنى أو الكرامة، وكثيرًا ما يصفها بعضهم بعدة أشياء مختلفة، فإذا مرض قال: إنها الصحة، وإذا افتقر قال: إنها الغنى. أما السعادة الحقة عنده فهي السعادة التي تحقق للإنسان الخير الأقصى(3).

 وحينما قال بعض فلاسفة اليونان: إن السعادة هي الخير الأسمى أو الخير المطلق؛ فإنهم لم يعنوا بالسعادة مجرد خير نسبي متغير كاللذة؛ بل كانوا يعنون بها تلك الغاية القصوى التي ليس بعدها غاية. صحيح أن فلاسفة اليونان قد فطنوا إلى أن «اللذات» جميعها ليست بالضرورة حسية، ولكن أنصار مذهب السعادة منهم، هم وحدهم الذين أبوا أن يجعلوا من اللذة -أيًا كانت درجتها- غاية في ذاتها، أو خيرًا أقصى؛ لأنهم أدركوا أن طبيعة اللذة أن تكون مجرد وسيلة إلى شيء آخر يجيء بعدها، في حين أن من شأن السعادة بطبيعتها أن تكون غاية في ذاتها(4).

 أما المدرسة الأبيقورية، ومؤسسها أبيقور (ت270ق.م) فقد رأى أن السعادة التي نسعى إليها هي اللذة الجسمية، من حيث إنه لا يعترف بغير المادة؛ ولكنه حاول أن يعالج فكرة اللذة بحذق ومهارة حتى يحيلها إلى نوع من السعادة الروحية، ويستبقي الفضائل المعروفة، ويستبعد الرذائل. والسعادة هي حصيلة الجمع بين اللذات الجزئية: الحاضرة والماضية والمستقبلة. والفكرة الجوهرية عنده هي الفوز بأطول لذة وأعظمها، والبُعد عن أقصر ألم وأقله(5).

 وعلى العكس من ذلك فقد اتجهت المدرسة الرواقية ومؤسسها زينون (ت265ق.م) اتجاهًا جديدًا، وهو الاتجاه نحو السلوك الإنساني في الحياة. فالسعادة هي أن يسير الإنسان على وفاق مع الطبيعة؛ لأنه جزء منها، فلا بد أن يعيش متلائمًا معها.

 أما عن مفهوم السعادة في الفكر الإسلامي، فقد اشتركت عدة عوامل في توضيح هذا المفهوم. ولا شك أن للكتاب والسنة المرجعية الحقيقية والدعامة الأساسية في توضيحه، إلى جانب استفادته مما طرح في الحضارات والفلسفات السابقة، فهو كأي فكر إنساني قد أثر فيما حوله من أفكار سابقة ولاحقة عليه وتأثر به.

 وقد حرص فلاسفة الإسلام على نقد الآراء التي تعرف السعادة بأشياء حسية، أو أشياء مؤقتة من حيث الآتي:

 أ - ذهب بعضهم إلى أن السعادة هي نوع من الاستكمال، مثل المريض الذي يظن أن السعادة في استرداد الصحة، أو الفقير الذي يرى سعادته في الحصول على المال. ولكن السعادة ليست وسيلة لشيء آخر، بل هي مطلوبة لذاتها. وعلى ذلك يُعرِّف الفارابي (ت339هـ/ 950م) السعادة بأنها «من الخيرات أعظمها خيرًا، ومن بين المؤثرات آثر وأكمل من كل غاية سعى الإنسان نحوها»(6). ولذا سمى السعادة المبنية على الثروة أو الكرامة أو الصحة بالسعادة المظنونة.

 ب- وهناك من ظن أن السعادة هي التمام والراحة. ويرفض أبو الحسن العامري (ت381هـ/ 991م) هذا التعريف؛ لأنه من المحال «أن يكون الحرص والتعب من أجل الراحة... فليس الفعل من أجل الراحة، ولكن الراحة من أجل الفعل»(7).

 ج- ويرى آخرون أن السعادة هي العيش بفضيلة إلى منتهى العمر. ويرفض العامري هذا التعريف أيضًا؛ لأن هذا التعريف يعدّ السعادة وسيلة وليست غاية. والحق أن كل خير وفضيلة يجب أن يُطلب من أجل السعادة.

 د - وهناك قوم ربطوا بين السعادة واللذة. وإذا كانت السعادة نوعا من اللذة فإنه لا يصح أن نطابق تطابقًا تامًا بين السعادة واللذة، فليس كل لذة هي السعادة الحقة؛ لأن اللذات أنواع، منها ما هو عقلي وما هو حسي، ومنها ما هو باطن وما هو ظاهر، ومنها ما هو نافع وما هو ضار.

 ويرى ابن سينا (ت427هـ/1037م) خطأ العامة حين يعتقدون أن اللذات الحسية -مثل المأكولات والمشروبات والمنكوحات- هي أقوى اللذات، وأن ما عداها لذته ضعيفة، إن لم تكن معدومة، ويصرح بأنه «قد سبق إلى الأوهام العامية أن اللذات القوية المستعلية هي الحسية، وأن ما عداها لذات ضعيفة، وكلها خيالات غير حقيقية»(8).

 ويرفض ابن سينا هذا التصور للسعادة الذي يربطها باللذات الحسية والرياسات الدنيوية، حيث «بيِّن لمن تحقق الأمور أن اللذات العاجلة ليس شيء منها سعادة».

 ومن هذه الانتقادات نستطيع أن نستنتج مفهوم السعادة عند فلاسفة الإسلام؛ فهي تعني: الخير الحقيقي للإنسان، وهي الغاية القصوى التي يسعى إليها كل إنسان من وراء علمه أو عمله، وهي الغاية المطلقة، وليست وسيلة لتحقيق غاية أخرى، وهو ما أكده ابن سينا بأن الخير الخاص بالإنسان هو بلوغ السعادة، والسعادة الحقيقية هي المطلوبة لذاتها، والمستأثرة بعينها. وما يستأثر لذاته وسائر الأشياء يستأثر لأجله هو أفضل في حقيقة ذاته مما يستأثر لغيره. إذن فالسعادة هي أفضل ما سعى الحي لتحصيله؛ لأنها الخير الحقيقي للإنسان.

ثانيًا: السعادة هي الخير الحقيقي

 يرتبط تصور «السعادة» عند كل مفكر بتصوره لماهية الخير الإنساني. وهذا الربط بين السعادة والخير هو ما بدأه فلاسفة اليونان؛ فقد ذهب سقراط وأفلاطون إلى أن الخير هو السعادة، وخير الإنسان عندهما هو في تحقيق الفضيلة.

 وجعل سقراط الغاية العليا للأخلاق في تحقيق السعادة التي تقوم على سيطرة العقل على دوافع الشهوة ونوازع الهوى، ورد الإنسان إلى حياة الاعتدال، باعتبار أن هذا يحقق الخير له.

 وجاءت السعادة عند سقراط نتيجة لحالة نفسية أخلاقية، هي الانسجام بين رغبات الإنسان وبين الظروف التي يعيش فيها، وهو المراد عنده بالاعتدال الذي يحدث إذا استطاع العقل أن يسيطر على دوافع الشهوة ونوازع الهوى، وأيضًا إذا وصل العقل إلى المعرفة الصحيحة عن الفضائل. فالمعرفة أساس الأخلاق. والإنسان إذا عرف الفضائل أصبحت أخلاقه خيرة.

 ونجد هذه النظرية عند أفلاطون، الذي ذهب إلى أن السعادة هي الغاية العظمى للأخلاق، وأن السعادة تتحقق حتمًا بتحقيق العدالة بين قوى النفس الإنسانية الثلاث: العاقلة، والشهوانية، والغضبية. فكل قوة من هذه القوى الثلاث لها فضيلتها الخاصة، والسعادة تكون في اتباع الفضيلة. والمتابع لفلسفة أفلاطون الأخلاقية يجد أن مفهوم السعادة كثيرًا ما يختلط عنده بمفهوم الخير الأقصى أو الخير الأسمى(9).

 ويرى أرسطو أن كل فعل بشري لابد أن يهدف إلى «خير» ما، وننتقل في سلسلة «الغايات» من «خير» إلى «خير» حتى نصل في خاتمة المطاف إلى «خير أقصى»، يكون هو وحده الكفيل بإشباع رغباتنا، وتحقيق سعادتنا.

 وقد سلم أرسطو- مع كل من سقراط وأفلاطون- بأن الخير الأقصى هو «السعادة»، وحجته في ذلك أن «السعادة» تختار لذاتها دون أن تكون وسيلة لغاية أخرى من جهة، وأنها كافية بنفسها لإسعاد الإنسان دون حاجة لخير آخر من جهة أخرى.

 وحقًا إن الكثيرين قد يسعون وراء اللذة الحسية أو المجد أو الشهرة أو الثروة، أو ما عدا ذلك من خيرات، ولكن هذه كلها ليست سوى خيرات جزئية لا تحقق سعادة الإنسان من حيث هو موجود ناطق(10). أما ما يحقق سعادته فهو الخير الحقيقي.

 وأثر هذا الربط بين الخير والسعادة على فلاسفة الإسلام، بل على كل فلاسفة العصور الوسطى، ولم يفترقا إلا في العصر الحديث، ابتداءً من «كانط"(ت1804م) الذي جعل السعادة منفصلة تمام الانفصال عن الواقع الأخلاقي؛ فإن الدافع الأخلاقي عنده هو الواجب، والواجب لا صلة له بالسعادة.

 وقد حاول فلاسفة الإسلام البحث عن الخير المطلوب لتحقيق السعادة، وربطوا بينها وبين لذة الإنسان الحقيقية التي هي المعرفة العقلية باعتبارها الخير المطلق للإنسان، فذهب الكندي (ت256هـ/873م) إلى أن السعادة في طهارة النفس، والنفس جوهر بسيط شريف؛ لأنها نفحة من الباري جل شأنه، ونور من نوره، هي منه كالضياء من الشمس، مستقلة عن الجسم. وهي أشرف وأغلى ما في الإنسان.

 وخير هذه النفس يختلف عن الخير المطلوب للبدن، وسعادة النفس أن تتطهر من كل علائق الحس والمادة حتى تعرف طريقها إلى كل ما هو جميل وشريف وعظيم وروحاني. فإذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة تلتذ حينئذ لذة دائمة فوق كل لذة تكون بالمطعم والمشرب والنكاح؛ لأن كل هذه اللذات لذات حسية، والسعادة الحقة هي بالابتعاد -على قدر الطاقة- عن تلك اللذات الحسية؛ لأنها تولد الأحزان، وتسبب الشقاء، وتجلب الشر. ولذا يقول: فإصلاح النفس وإشفاؤها من أسقامها أوجب علينا من إصلاح أجسامنا، فإصلاح ذواتنا أولى بنا من إصلاح آلاتنا(11).

 وهذا ما أكده الفارابي حين رأى أن «السعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلاً -ولا في وقت من الأوقات- لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها»(12).

 ويفرق مسكويه (ت: 421هـ/1030م) بين نوعين من السعادة؛ النوع الأول: سعادة أدنى، وهي السعادة الخلقية، وهذه ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق غاية أعلى منها. والنوع الثاني: السعادة القصوى والخير المطلق؛ وهي أرقى من السابقة بكثير؛ لأنها تمس الإنسان من حيث هو كائن عاقل، وهي غاية مقصودة وليست وسيلة لغاية أسمى، فهي غاية الغايات.

 وتختلف هذه السعادة بطبيعتها عن غيرها من السعادات الأخرى؛ لأنها تكفي نفسها بنفسها، ولا تحتاج إلى شيء سواها، فإذا وصل إليها الإنسان لا يحتاج بعدها إلى شيء آخر، فهي الخير المطلق الذي يقصد لذاته. وهي خير مطلق؛ لأنها لا تتعلق بشخص معين، ولا بمكان أو زمان معينين، وإنما هي واحدة دائمًا في كل زمان ومكان، وعند سائر الناس، وفي كل المناسبات. يقول عنها مسكويه: «وهي التي لا يكون فيها تشوق إلى آت، ولا تلفت إلى ماض، ولا تشيع لحال، ولا تطلع لناء، ولا خوف ولا فزع من أمر، ولا طلب لحظ من حظوظ الإنسانية، ولا من الحظوظ النفسانية أيضًا، ولا ما تدعو الضرورة إليه من حاجة البدن والقوى الطبيعية ولا القوى النفسانية»(13) فهي إذن الخير المحض الذي لا يُطلب شيء من ورائه، وإنما يُقصد لذاته.

ثالثًا: طرق تحقيق السعادة

 ربط كل فيلسوف بين السعادة والخير، ووجد أن طرق تحقيق الخير هي الطرق الموصلة إلى السعادة، فإذا كان الخير يختلف تصوره من إنسان إلى آخر، فإن السعادة تختلف طرق تحقيقها من مفكر إلى آخر. فمن ربطها باللذة الحسية رأى أن سعادته وخيره في تحقيق هذه اللذة. ومن ربطها باللذة الروحية والابتعاد عن الآلام، وجد حياته وسعادته في هذا.

 وقد ذهب سقراط وأفلاطون إلى ربط السعادة بالفضيلة ومعرفتها. وطرق تحصيل الفضيلة عند أفلاطون تتم بتحقيق التعادل والانسجام في قوى الإنسان النفسية- العاقلة والشهوية والغضبية- وذلك من خلال فضيلة رئيسة هي فضيلة الاعتدال.

 وهذا الاعتدال بين القوى النفسية يحقق السعادة للإنسان ويتم هذا عندما تسيطر القوة العقلية على القوتين الأخريين (الشهوية والغضبية). بالإضافة إلى تحصيل العلوم، وبهذا يصل الإنسان إلى سعادته.

 وكما طبق أفلاطون هذا على الفرد طبقه أيضًا على المدينة؛ إذ إن المدينة السعيدة هي التي يتولى قيادتها الحكيم، ويتحقق العدل بين طبقاتها، وتتولى كل طبقة العمل الذي يصلح لها. وبهذا تتحقق العدالة والانسجام بين طبقات المجتمع الثلاث، بحيث لا تطغى ولا تجور طبقة على أخرى، ولا تحاول القيام بوظيفة غير الوظيفة التي يؤهلها لها استعدادها الطبيعي. «ويؤكد أفلاطون أن التعدي على وظائف الغير، والخلط بين الطبقات الثلاث يجر على الدولة أوخم العواقب»(14)، ويجلب الشقاء على الفرد والدولة، وتضيع معها الحياة والسعادة.

 وربط أرسطو بين «السعادة» و«الحكمة»، مؤكدًا أن «الحكمة» هي أسمى الفضائل؛ لأنها تعبر عن فعل نزيه حر يقوم به العقل، دون أن يرمي من ورائه إلى أية مصلحة عملية أو فائدة نفعية. وإذا كانت اللذة زائلة، والأمجاد عابرة، والثروة مهددة بالضياع، والشهرة متوقفة على الآخرين؛ فإن «الحكمة» هي وحدها الفضيلة الباقية الكاملة التي ترقى بالموجود البشري إلى مستوى الألوهية عن طريق الفكر، ومن ثم فإننا نستطيع من هذا الطريق أن نحقق لأنفسنا سعادة إلهية ترقى بنا إلى عالم علوي(15).

 ويذهب فلاسفة الإسلام إلى أن طريق تحقيق السعادة للإنسان يتم عندما يحقق جوهره، والغاية التي خُلق من أجلها. فحقيقة الإنسان أنه كائن عاقل، وجوهره هو العقل، والغاية التي خُلق من أجلها هي معرفة الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥6]، وأن يكون إنسانًا ربانيًا، أو كما أسماه الفلاسفة أن يكون حكيمًا.

 هذا الإنسان الحكيم هو الإنسان السعيد بسعادة مطلقة؛ لأنه سعيد بالمعرفة الإلهية، وهو المتحقق بأحق اللذات وأفضلها، وهي لذة الحكمة، وهي لذة خاصة بالإنسان من حيث هو إنسان، فهي تتم عن طريق العقل، والعقل هو أهم ما يميز الإنسان عن الحيوان.

 وقد اعتمد الفلاسفة لتحقيق ذلك طرقًا متعددة، إلا أنها في النهاية تصل إلى حقيقة واحدة، هي الوصول بالإنسان إلى السعادة الحقة. ولنذكر آراء بعض هؤلاء الفلاسفة:

 أ - الكـندي: جعل الكندي السعادة في طهارة النفس، وعن طريق اتصالها بالنور الإلهي تتخلص من الأحزان والآلام، وتتعرف على العالم العقلي، وتشاهد موجوداته، فتصل إلى السعادة العليا التي ترتفع عن حدود السعادة الأرضية. فالسعادة طهارة للنفس، ومعراج بها إلى عالم الحق، وطرح للأحزان، وتحصين من الآلام.

 ب- الفارابي: يذهب الفارابي إلى أن طريق السعادة للإنسان هو أن تصير نفسه في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى المادة، وهذا يعني أن تتحرر النفس من قيود المادة وأغلالها، وتصير عقلاً كاملاً.

 وللوصول إلى تلك السعادة، يفرق الفارابي بين نوعين من السعادة:

 النوع الأول: سعادة أدنى تتم من خلال أفعال تساعد في بلوغ السعادة، أطلق عليها الأفعال الجميلة، وهي تصدر عن الفضائل، وهي خيرات لا لأجل ذواتها، بل هي خيرات لأجل السعادة. والسعادة المتحققة من هذه الأفعال يسميها السعادة الإنسية، وهي سعادة مطلوبة للحياة الدنيا؛ ولكنها ليست هي السعادة المطلقة الحقيقية.

 النوع الثاني: السعادة الحقيقية المطلوبة لذاتها، وهي القائمة على العقل والحكمة والتأمل، والانصراف عن الحياة الدنيا بقدر الإمكان، والتفرغ لحياة التأمل والمعرفة(16).

 لقد ميَّز الفارابي بين سعادتين: السعادة الدنيوية في الحياة الأولى، والسعادة القصوى في الحياة الآخرة. وهذا بالطبع أثر من آثار العقيدة الإسلامية مستفاد من المقصد الإسلامي القائل: إن الحياة الدنيا متاعها قليل، والآخرة خير وأبقى. فالمدينة الأرضية مهما كان كمالها ليست غاية في نفسها، وإنما هي معراج إلى السعادة العليا التي تنالها النفوس الزكية في العالم الآخر.

 ج- ويتبع إخوان الصفاء هذا التقسيم للسعادة إلى قسمين: سعادة دنيوية وسعادة أخروية. السعادة الدنيوية هي أن يبقى كل موجود بدنه على أفضل حالاته وأتم غاياته، أما السعادة الأخروية فهي أن تبقى كل نفس إلى أبد الآبدين على أفضل حالاتها وأتم غاياتها(17).

 وبناء على هذا التقسيم انقسم الناس عند إخوان الصفاء إلى أربعة أصناف:

-           سعداء الدنيا والآخرة، وهم الذين وفّوا حظهم في الدنيا في المال والمتاع والصحة، فاقتصروا منها على الكفاف، ورضوا بالقليل وقنعوا به، وقدموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لهم.

-           سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة، وهم الذين وفّى حظهم من متاع الدنيا فتمتعوا وتكاثروا، ولم ينقادوا للدين، وتعدوا حدوده.

-           أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة، وهم الذين طالت أعمارهم فيها، وكثرت مصائبهم، واتبعوا أوامر الدين، ولم يتعدوا حدوده.

-           أشقياء في الدنيا والآخرة، وهم الذين بخسوا حظهم من الدنيا، وشقوا في طلبها، ولم ينالوا خيرًا منها، ثم لم يتبعوا الدين، وتجاوزوا حدوده.

ولا يخلو أحد من الناس أن يكون داخلاً في أحد تلك الأقسام الأربعة من الشقاوة والسعادة.

 د - أما العامري فيطرح خطوات أخرى للوصول إلى السعادة تساعد الإنسان على تحصيلها، وهذه الخطوات هي:

 1- مجانبة الجسد؛ ذلك أن الجسد هو أكبر شواغل الإنسان، فيجب أن يصرف اهتمامه عنه، وأن تكون حاجته إليه حاجة مؤقتة لاستمرار الحياة، وعليه أن يتكلف التبرؤ من الملاذ البدنية كلها؛ لأنها عائقة عن تحصيل غرضه(18)؛ أي سعادته.

 وهذا لا يعني ترك حال الجسد تمامًا، بمعنى أن يهمله الإنسان أو يميته؛ لأن هذا ليس حقًا له؛ بل هو حق لله وحده. ومهمة الإنسان أن يميت شهواته، ويطوع جسده لكي يخدمه في الحياة ليؤدي له أعماله وعباداته. وصحة العقل تقوم على صحة البدن الذي يوجد فيه. كما يجب أن يحمي حق المجتمع؛ لأنه لا يدعو إلى نبذ التزاوج، بل يبيح للإنسان من اللذات ما يحافظ على استمرار وجوده، بلا إسراف. لكن الأبقى والأفضل والأدوم للإنسان تحقيق وتحصيل اللذات العقلية.

 2- التزام العفة: أباح العامري للإنسان الشهوات، ولكن في حدود الالتزام بالعفة. والعفيف هو الذي يتناول ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي. والحكمة لا تصل إلى الإنسان الشره.

 3- ترقية العقل: ويتم هذا للإنسان عن طريق صرف همه عن الانشغال بالجس فالإنسان يشترك مع الحيوان في لذات الجسد، وهذا يبعده عن لذات الملائكة القائمة على معرفة الله والتعبد والطاعة له.

 ويستطيع الإنسان أن يرقي عقله عندما يلتزم بمسلكين: أحدهما ديني والآخر فلسفي. والمسلك الديني حدده الله بالعبادات الدينية والأمور الشرعية. أما المسلك الفلسفي فهو طريق العقل الذي يتم من خلال معرفة القوانين المنطقية التي تعينه على المعرفة الحقة، وتمنعه من الوقوع في الزلل.

 4- معرفة الخير الحقيقي: وتُعد هذه المعرفة من أهم وسائل تحصيل السعادة العقلية؛ فالخير الحقيقي هو الحكمة، وهي المعرفة المطلوبة لذاتها، والغاية القصوى من وراء سعي الإنسان، وهي الخير الذي يتشوفه الإنسان باعتباره إنسانًا.

 5- الصبر: لا ينال الإنسان الحكمة إلا بترك كثير من الأشياء التي يظن الناس أنها خيرات، والبُعد عن أنماط من السلوك تعيق عن الوصول إلى الحكمة. فالحقيقة لا نصل إليها إلا بتحمل الكد والتعب، ومجاهدة الأعداء، والصبر على جفاء الأصدقاء.

 6- مجاهدة النفس: إن الإنسان عندما يصل إلى درجة العلم والمعرفة، ويقرب من الحكمة، يرتفع قدره بين الناس، وقد تستهويه -حينئذ- بعض الملذات النفسية مثل الكرامة والمدح والرئاسة. فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه ويحذرها من الوقوع في هذه اللذات النفسية الباطنة؛ حتى لا تشغله عن الوصول إلى اللذات العقلية.

 7- الاستمرار في العلم: من الآفات العظيمة التي تعوق الإنسان عن الوصول إلى الحكمة: القلق وانتظار الوصول إلى نهاية الطريق، واستعجال الوصول. وقد تتعب النفس من طول الطريق، وقد يصرفها هذا عن الاستمرار في العلم. ويحذر العامري الإنسان من هذا قائلاً: الصبر على تعب التعليم أهون مما يلحقك من الأذى والذل والجهل؛ «فالنوم والراحة يفقران في الدنيا والآخرة، ومن لم يصبر على تعب التعلم احتاج أن يصبر على ذلة الجهل»(19).

 هـ- أما مسكويه فقد اكتفى بتوضيح السعادة الأخروية كما جاءت في الشريعة الإسلامية، وعُني في حديثه عن السعادة بالسعادة الدنيوية بفرعيها الحسي والروحي؛ وذلك راجع إلى اهتمامه بالسلوك الإنساني في الحياة الدنيا.

 ويضع مسكويه شروطًا تساعد الإنسان وتعينه على الوصول إلى السعادة القصوى. وهذه الشروط نوعان: شروط ثانوية وشروط أساسية.

 ومن الشروط الثانوية أن يكون الإنسان صحيح البدن والعافية، معتدل المزاج؛ ذلك أن الحالة الصحية لها تأثيرها على حالته العقلية، وعلى اتجاهه نحو الخير أو نحو الشر. ومنها أن يتحقق له قدر من متطلبات الحياة، ومنها الاجتماع بالناس ومخالطتهم؛ لأن اجتماع الإنسان به سبيل لتهذيبه، ووسيلة لتأصيل الفضائل في نفسه.

 أما الشروط الأساسية فهي شروط نفسية، وتتمثل في تحصيل الحكمة بجانبيها: العملي والعلمي. والفضائل العملية هي الفضائل الخلقية، وهي شرط أساسي لبلوغ السعادة القصوى. والإنسان يجب أن يكون فاضلاً قبل أن يكون حكيمًا. والإنسان لا يتم له الخير الأسمى؛ أي السعادة القصوى إلا بتلك الفضائل العملية. و«مَنْ أصّل تلك الفضائل في نفسه، ثم اشتغل عنها بالمعرفة الإلهية، فقد نجا بذاته من مجاهدات البدن، ومن مجاهدات النفس وقواها، وصار مع الأرواح الطيبة، واختلط بالملائكة المقربين»(20)، ووصل إلى درجة الحكمة، فالسعيد حقًا هو الحكيم، وهو العارف بالإلهيات والعلوم.

 و- وكذلك سعى ابن سينا إلى الربط بين السعادة والحكمة باعتبارها الخير المطلق للإنسان. فالحكمة صناعة نظرية يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود؛ لتشرف ذاته وتستكمل، وتستعد للسعادة القصوى بحسب الطاقة الإنسانية(21).

 والسعادة هي أن يسعى الإنسان بعقله إلى معرفة الحكمة، والحكمة هي التقرب إلى الله، والتشبه به بقدر طاقة الإنسان، وذلك من خلال طريقين: أحدهما نظري والآخر عملي.

 يتمثل الطريق النظري لتحقيق السعادة في أن يتحول الإنسان من موجود حيواني إلى موجود عقلاني، من كائن ينصرف إلى ملذاته الجسدية إلى كائن يبحث عن الملذات العقلية. وهذا يتم من خلال معرفة العلم الإلهي، فيعرف الغاية من وراء خلق هذا العالم وخلق كائناته، والغاية من خلق الإنسان، ويعرف خالق الكون ذاته وصفاته، ويعرف ما هي الصفات التي يستحق أن يوصف بها، والصفات التي ينبغي أن ينزه عنها، ويتصور العناية الإلهية وكيفياتها، ويعرف ترتيب الموجودات في العالم، «ثم كلما ازداد الناظر استبصارًا ازداد للسعادة استعدادًا»(22).

 وهذه المعرفة يسميها ابن سينا بالتعبد الروحاني والصلاة المحضة، وفيها يستعد الإنسان بطهارة نفسه لملاقاة ربه، فلو أقبل الإنسان على ربه بعشق واجتهد في تعبده، لسارعت «إليه جميع الخيرات العلوية والسعادات الأخروية، حتى إذا انفصل عن الجسم وفارق الدنيا، ليشاهد ربه، ويجاور حضرته، ويلتذ بمجاورة جنسه، وهم سكان الملكوت»(23).

 هذا عن الطريق النظري، أما الطريق العملي فيتم من خلال إصلاح الجزء العملي من النفس وتهذيب الأخلاق. ويكون هذا عن طريق التنزه عن طرفي الإفراط والتفريط في الأخلاق والتوسط بينهما؛ إذ إن أكثر الفضائل هي الوسط بين الرذائل. فالسعادة الحقيقية عند ابن سينا تكون بمشاركة الملأ الأعلى ملذاتهم العقلية الأبدية، بعد تحصيل الطريقين النظري والعملي.

 وهكذا جمع فلاسفة الإسلام بين الفضيلة الأخلاقية والمعرفة العقلية لتحقيق سعادة الإنسان. الفضيلة الأخلاقية تعطيه سعادته الأدنى، وهي السعادة الأرضية أو الإنسانية. أما المعرفة العقلية -وخاصة معرفة الإلهيات- فهي أعلى أنواع المعارف التي يصل إليها الإنسان، ومن وصل إليها فقد وصل إلى أعلى درجات السعادة؛ إلا أن السعادة قد تظهر لها معوقات تعوق الوصول إليها، لذا كانت هناك موانع يجب القضاء عليها ومحاربتها حتى تتحقق للإنسان السعادة الكاملة.

رابعًا: موانع تحقيق السعادة

 إن الإنسان -لكي يحقق السعادة- لا يكفيه فقط أن يعرف ماهيتها، وطرق الحصول عليها؛ بل إن هذه المعرفة قد تصادفها آفات تمنعه من الوصول إلى السعادة، وفي مقدمة هذه الآفات الشقاء والشر. وسعادة الإنسان في حياته لا تتم إلا بالتخلص من الشرور؛ إذ إن أول المراتب إلى الخير مفارقة الشر، وأقبح الظلم ظلم الإنسان لنفسه، وذلك بأن يحرمها من الخير، ويوقعها في الشر.

 ويُعرِّف الفارابي الشقاوة بأنها تلحق الإنسان متى كانت أفعاله وعوارض نفسه وتمييزه ضد هذه السعادة(24). وهذا ما أكده الغزالي (ت505هـ/1111م) من أن الشقاوة هي أن تكون النفس محجوبة عن السعادة العقلية(25).

 ويرى العامري أن الإنسان -على الرغم من معرفته بماهية السعادة- يعجز عن الوصول إليها، وبدلاً منها يقع في الشقاء؛ لذا يحاول أن يحدد لنا الأسباب التي تؤدي بالإنسان إلى الشقاء لكي يقضي عليها، وبذلك يقضي على العوائق والموانع التي تمنعه من الحصول على السعادة.

 والآفات التي توقع الإنسان في الشقاء وتبعده عن السعادة متعددة(26)، منها:

1-       الجهل وعدم التجربة، والجور وعدم الصبر؛ فالجاهل يحب الخير؛ ولكنه لا يفعله، وقد يكره الشر؛ ولكنه يفعله بسبب عدم تبصره أو عدم خبرته، أو عدم وجود قدرة عقلية قادرة على التمييز بين الخير والشر.

2-       تسلط النفس الشهوانية أو الغضبية على الإنسان؛ فإذا سيطرت النفس الشهوانية على الإنسان بطلت العفة وظهر الشره، وإذا سيطرت عليه النفس الغضبية بطلت الألفة والمحبة وظهر الشقاق والبغض. أما إذا سيطرت النفس الناطقة العاقلة على القوتين الشهوانية والغضبية صار الإنسان حرًا وسعيدًا وخيّرًا وفاضلاً.

3-       تعلم العادات السيئة الفاسدة، ثم اعتيادها حتى تصير هذه الهيئة حالة متمكنة من الإنسان، فلا يستطيع الفكاك منها لتمكن العادات الفاسدة منه. حتى لو كان الإنسان في هذه الحالة يعلم ما هو فاسد وما هو خير.

4-       الاعتماد على الظن في معرفة الشيء بدلاً من الاعتماد على العلم الصحيح؛ حيث يظن بعض الناس أن الأشياء الضارة أو القبيحة لا تضرهم، أو يظنون أن التخلص من الأشياء الضارة قد يسبب لهم الشقاء، فهذا الظن قد يوقع الإنسان في الشقاء.

5-       التخيّل وهو نوع من المعرفة الحسية البعيدة عن المعرفة العقلية، والتخيل يتشابه مع الآفة السابقة في البُعد عن المعرفة الصحيحة، حيث يقع الإنسان بسبب هذا التخيل الحسي في الضار والقبيح؛ لأن الحس ليس له تمييز بين الجيد والرديء، أو النافع والضار. وهذا التمييز لا يستطيعه إلا الفكر السليم الذي يستمد مقاييسه من العقل. وكل من لم يستعمل عقله تكون أفعاله غير منطقية.

6-       الاعتقاد الخاطئ لمفهوم السعادة الحقة، حيث يعتقد بعض البشر أن الخير والسعادة في اللذة الحسية، وهذه اللذة الحسية لا تخلو عن نقائص جمة، وكل واحدة منها لن تصفو لمتعاطيها عن شوب المكروه، أو يأمن مترجيها من وشك النقص، أو تخلو من تعقب الملل في ذاتها، أو في الخصائص المستفادة منها. ولذا يرى ابن سينا أن «حال الملائكة حيث لا مأكول ولا مشروب ألذ وأبهج وأنعم من حال الأنعام»(27) التي تعيش على اللذات الحسية.

7-       سيطرة الانفعالات على الإنسان، وهذه الانفعالات قد تكون عائقًا عن أن تصل النفس الناطقة لكمالها؛ فالانفعالات صادرة عن القوى البهيمية في الإنسان، وهذه الانفعالات شريرة. فإذا سيطرت على الإنسان جعلت نفسه مريضة. وهنا نادى مسكويه بعلاج النفس المريضة لكي تصل إلى السعادة.

8-       طبيعة تركيب الإنسان؛ إذ إن الإنسان مركب من أضداد متعاندة، فالنفس من عالم علوي روحاني، يقابلها بدن من عالم أرضي مادي، وكل عنصر من عنصري الإنسان له متطلباته الخاصة به، فيه العقل الذي يسعى للخير، والهوى الذي يطلب الشر. فيه العلم الذي هو الخير يقابله الجهل الذي هو شر. وهذه التركيبة إذا استسلم لها الإنسان وقع في الشقاء؛ لأنه واقع في صراع بين العقل والبدن، بين السعادة والشقاء. أما إذا تبع الإنسان ما هو أعلى وأسمى فإنه يصل إلى السعادة في الدنيا، إلا أن السعادة الحقة للإنسان لا يصل إليها في حياته الدنيا، بل يظل في حالة شوق إلى نيل السعادة التامة التي لا تتحقق له إلا في الحياة الآخرة.

وقد لاحظنا فيما سبق تشابه بعض أفكار مفكري الإسلام مع أفكار لفلاسفة اليونان، وخاصة سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلا أن تصور السعادة الحقيقية التي لا تتحقق للإنسان إلا بعد الموت، لا تظهر بوضوح إلا عند فلاسفة الإسلام. حيث إن الإيمان بالبعث من الأمور المسلّم بها لديهم وإحدى عقائدهم الإيمانية؛ فالبعث أمر أكدته الشريعة، وأثبته العقل، وإن اختلف بعضهم في تصور كيفيته.

وإذا بحثنا في آيات القرآن الكريم عن لفظ «السعادة» أو مشتقاته نجده قد ورد مرتين: إحداهما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠5]، والأخرى في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠8].

 ويهمنا في هذا المجال لفظ السعادة (سعدوا) الذي ورد في الموضع الثاني، فالذين سيسعدون هم الذين يدخلون الجنة، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وفي القرآن ارتباط وثيق بين الإيمان وبين عمل الصالحات، وهو ما طبقه مفكرو الإسلام في الجمع بين العلم والعمل، أو بين النظر والتطبيق، بين الحكمة والأخلاق. إن الاهتمام بالعمل في الدنيا ليس من أجلها وحدها؛ بل من أجل أن تكون هي مجال التقويم والمسؤولية، والتي على أساسها ينال الإنسان جزاءه في الآخرة.

 فالسعادة في التصور الإسلامي لا تقتصر على الحياة الدنيا، بل أن يعمل الإنسان في دنياه من أجل الحصول على الجزاء في الآخرة، أي الحصول على الخير والسعادة القصوى. وذلك بالعمل على إعمار الأرض وحسن عبادة الله فيها، وإحياء المجتمعات الإنسانية على القيم الأخلاقية بالتعاون والإخاء والمحبة، فإذا جمع الإنسان بين الفضيلة والحكمة، بين الأخلاق ومعرفة الله وعبادته تحققت له السعادة في الدنيا والآخرة.

*********************

الهوامش والمراجع

1)            أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 1998م، ص150.

2)            أفلاطون: محاورة فيدون، ترجمة: زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1937م، ص60.

3)            أرسطو: الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمه إلى الفرنسية: بارتلمي سنتلهير، وترجمه إلى العربية: أحمد لطفي السيد، مطبعة دار الكتب المصرية، 1924م، ك1 ب2 ف4، ص179.

4)            زكريا إبراهيم: المشكلة الخلقية، مكتبة مصر، ط1، 1969م، ص142، 143.

5)            جلال الدين سعيد: أبيقور الرسائل والحكم، دراسة وترجمة، الدار العربية، القاهرة، 1991م، ص188.

6)            الفارابي: التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق: سحبان خليفات، الأردن، 1987م، ص178.

7)            العامري: السعادة والإسعاد، نشر مجتبى مينوي، طهران، 1336هـ/1957م، ص9.

8)            ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، 1957م، ج3، 4، ص749.

9)            إمام عبد الفتاح إمام: محاضرات في فلسفة الأخلاق، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1974م، ص51.

10)        زكريا إبراهيم: المشكلة الخلقية، ص145.

11)        الكندي: رسالة في الحيلة لدفع الأحزان، ضمن رسائل فلسفية للكندي والفارابي وابن باجة وابن عدي، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي، بنغازي، 1393هـ/1973م، ص10.

12)        الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق: ألبير نصري نادر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1980م، ص86؛ وأيضًا: كتاب الملة، تحقيق: محسن مهدي، بيروت، 1968م، ص52.

13)        مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ، ص104.

14)        إمام عبد الفتاح إمام: محاضرات في فلسفة الأخلاق، ص56.

15)        زكريا إبراهيم: المشكلة الخلقية، ص145، 146.

16)        الفارابي: تحصيل السعادة، تحقيق وتقديم: جعفر آل ياسين، دار الأندلس، بيروت، ط2، 1403هـ/1983م.

17)        إخوان الصفاء: الرسائل، تحقيق: خير الدين الزركلي، المطبعة العربية، القاهرة، 1347هـ/1928م، ج1، الرسالة التاسعة، ص317.

18)        العامري: الأمد على الأبد، تحقيق: اروت ك. روسن، دار الكندي- بيروت، 1979م، ص96.

19)        العامري: السعادة والإسعاد، ص367.

20)        مسكويه: التهذيب، ص198.

21)        ابن سينا: رسالة في أقسام العلوم العقلية، ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، تحقيق: حسن عاصي، نشر: دار قابس، بيروت، 1986م، ص83.

22)        ابن سينا: الشفاء، الإلهيات، ج2، تحقيق: محمد يوسف موسى، وسليمان دنيا وسعيد زايد، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1380هـ/1960م، ص429.

23)        ابن سينا: رسالة في «ماهية الصلاة» ضمن رسائل ابن سينا في الحكمة المشرقية، نشرها مهرن- ليدن، 1889م، ص41.

24)        الفارابي: التنبيه على سبيل السعادة، ص184.

25)        الغزالي: مقاصد الفلاسفة، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، 1961م، ص374.

26)        انظر: العامري: السعادة والإسعاد، ص16 وما بعدها.

ابن سينا: الإشارات، ج3، 4، ص752.