﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] ***** عمارة الأرض بي

: العدد

الثالث والأربعون

: السنة

الثانية عشرة

شتاء, 1435هـ / 2014 م

علاقة الإيمان بالعمران في الرؤية القرآنية
محمد المنتار(*


عانت البشرية كثيرًا -ولا تزال- في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية من جراء عدم الاستبصار بمعالم وسمات الإنسان السوّي، والمجتمع السوّي، والعمران البشري الأمثل، المشكّلين للوحدة القياسية التي يجب أن يُتيمّم شطرها بالمناهج والبرامج التربوية، والخطط المستقبلية، والهندسة الحضارية، وكذا بمختلف أنواع الكسب العلمي والعملي.. وبسبب غياب هذا الوعي عرف تاريخ البشرية أضربا من التخبُّطات الفهميَّة والإدراكية أصابت بُنى المجتمعات، وهياكل العلاقات تربويا، واجتماعيا، وإنسانيا، وعمرانيا..

وقد ظهرت في البيئات الفكرية القديمة والحديثة -الدينية واللادينية- دراسات متنوعة، وطُوّرت من داخلها أنواع من النظم حاولت أن تحل إشكال الوحدة القياسية على الصعيد الاجتماعي من خلال إنتاج يوطبياتحول طبيعة مكونات المجتمع الفاضل والمدنية الفاضلة، وهي يوطبيات جرّت -لعدم مواءمتها لطبيعة الإنسان والكون- على العالمين وبالاً غير قليل(1).

وكان من نعم اللّه -عزَّ وجلَّ- على العالمين أن تولَّى سبحانه في مرحلة الختم بذاته العليّة حفظ الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9)، فحفظت بذلك آثار النبوة المنيرة، واستمر إمكان التعرف على النبي الشاهد وعلى حالة السواء من خلاله، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب: 21). وشكر هذه النعمة الجُلَّى يستوجب حسن التوظيف والتثمير والعمل الدؤوب للاستكشاف المتجدد للقدرات والهاديات الكامنة في هذا النص المرجعي؛ إذ هو مناط الاجتهادات البشرية الساعية لتوليد أسس بناء العمران، وباني هذا العمران؛ أي الإنسان؛ فهو كتاب كريم استهدف -منذ لحظات نزوله الأولى- تنظيم حياة المجتمع: فرديا، واجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وروحيا، وفكريا. وكانت آيات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق: 1-5) هي الإكسير الذي فعل فعله في حياة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وأمته من حوله؛ حيث انطلقت القافلة على حُداء الوحي في هداية العقول والنّص، وبناء الإنسان والعمران، مسترشدة بهدي خير العباد، عليه الصلاة والسلام، ومستمدة قوتها من النص المؤسس الذي حقق هدفه بنفخة واحدة، وصار مصدر إلهام فريد لانقلابات متشابكة حصلت في مجتمع بدوي؛ لكنها تعد أنموذجا يقتدى به في الأمم والحضارات، ووحدة قياسية يمكن النسج على منوالها والبناء عليها.

ولا شك أن بناء العمران ليس كمثله كل بناء ضخامةً، وتركيبًا، واتّساعًا، وشمولاً، واستيعابًا، وامتدادًا، وأهمّية وخطورة. وإذا كانت العمران الذي يمكن أن نفسره بأنه مجموع النشاطات المتعلقة بتنظيم الحياة الإنسانية، أو التصورات الفكرية والاعتقادية والفنية لأي أمة، أو كل الأوصاف الخاصة بوجودها المادي والمعنوي، وذلك حسب الرؤى والعقول والفلسفات والقدرة على التلقي؛ فإن أهم أركان هذا العمران هو الإنسان المؤهل -فردًا واجتماعًا- الذي ينتج بحواره مع مرجعيته؛ قرآنا وسنة؛ ليستخلص منها قبلته ووجهاته إليها، ووحدته القياسية، وينصاغ بجهده وبحواره مع الكون، ليمتحن منه قدرته على الفعل والتسخير، كل بحسب سهمه في الأيدي والأبصار.

وقد قدم القرآن الكريم شبكة من المقتضيات المنهاجية تعد بمثابة الأسس لكل حديث عن تأسيس العمران، وفي مقدمة هذه الأسس مفهوم الإيمان أو التوحيد، باعتباره يمثل حجر الزاوية في تكوين وبناء الرؤية الكلية عن الكون والحياة والأحياء والإنسان، في إطار الرؤية القرآنية.

وعلاقة الإيمان بالعمران في الرؤية القرآنية لا يمكن أن تفهم في أبعادها المختلفة والمتعاضدة في آن من دون استيعاب شبكة مفاهيمية في مقدمتها: مفهوم التوحيد، ومفهوم العمران، ومفهوم الرؤية القرآنية، ومفهوم الاستخلاف، ومفهوم التسخير.

أولا: مفهوم الإيمان أو التوحيد في الرؤية القرآنية

إن الحديث عن العمران في القرآن الكريم لا ينفصل عن التصور العقدي الناظم لعلاقة الإنسان بالكون(2) في إطار الرؤية القرآنية؛ ذلك أن الإيمان بالله -عزَّ وجلَّ- أو التوحيد هو أول مقاصد الشارع، ومن أرقى منافع الإنسان الروحية العرفانية على الإطلاق؛ إذ "لا سعادة أصلح من العرفان والإيمان وطاعة الرحمن، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالديان، والكفر والفسوق والعصيان"(3).

ولأجل هذه المقاصد النفعية الإيمانية العالية، حفل القرآن الكريم بما لا حصر له من البراهين الكونية الدالة على الذات العلية، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌقَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأنعام: 95-99).

من هنا، كان البحث عن المنافع الكونية من أهم ما يجب على الإنسان التوسُّل به للتعرف على الله تعالى، وتحصيل حلاوة الإيمان به، كما قال ابن رشد: "فوجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع الموجودات"(4).

وبالنظرِ إلى أهميةِ الإيمانِ ومكانتهِ في المنظومةِ الإسلاميةِ؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي الشرْعِ الحكيمِ اسْماً لِجَمِيعِ فُرُوعِ الدين، ليشمل جميع العقائد والعبادات والأخلاق والآداب وسائر المعاملات... ولعل أبرز خاصية يُذْكَرُ بها الإسلام عندما يقارن بغيره من الأديان هي التوحيد، ولئن كان التوحيد عنواناً عاماً تشترك فيه مختلف الأديان -لا سيما ذات الأصل السماوي- فإن للتوحيد في الإسلام خاصية تميزه عن غيره؛ بل ربما تتنافى مع دعوى التوحيد لدى غيره، وذلك بما له من بساطة وشمولية تؤسس للرؤية الكلية القرآنية للحياة والأحياء والكون. ويمكن لأي متأمل في آيات التوحيد في القرآن الكريم أن يلحظ هذه المعاني لوحدانية الله وحضورها في حياة المسلم، ويمكن أن يلحظ هذا الحضور من خلال تواتر ذكر الله وصفاته في القرآن الكريم.

ولا يخفى أن مقتضى الإقرار بالتوحيد هو الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- خالقاً ومالكاً وحاكماً للوجود كله بلا شريك. ويترتب على هذه الشهادة الإقرار بأن الإنسان خلق لغاية؛ تتمثل في تحقيق الإرادة الإلهية المتعلقة بهذا العالم، الذي تتخذ منه الحياة البشرية مسرحاً لفعلها الحر المسؤول.

وفي لغة القرآن الكريم قلّ أن يذكر الإيمان منفصلاً عن العمل(5)؛ حيث نجد هذا المفهوم القرآني مقرونًا بالعمل الصالح، والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 82)، وقوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ (النساء: 57)، وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ (النساء: 173)، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 9)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: 29)، وقوله: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ (إبراهيم: 23)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف: 30)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96)، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (الروم: 15)، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)، وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا﴾ (طه: 112)، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (الأنبياء: 94)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ (طه: 75)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (العنكبوت: 58)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (محمد: 12)، وقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ (الطلاق: 11)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (البروج: 11)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (يونس: 9).

وتستمر آيات الكتاب الكريم تربط بهذا الشكل المعجز الدقيق بين الإيمان والعمل، عبر سور القرآن الكريم كلها، بحيث لا يستطيع المتدبر لآيات الكتاب الكريم أن يتصور أن الإيمان أو التوحيد يمكن أن يوجدا منفصلين عن العمل، أو يمكن أن يكونا منعزلين لا ينعكسان على شيء، وأنه يكفي استقرارهما في القلب للحصول على مسمى الإيمان، أو على الاتصاف به، وحمل لقب مؤمن أو موحد، ولذلك أقسم سبحانه وتعالى على ذلك؛ إذ قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حَتَّى يُحكموكَ فِيمَا شَجرَ بَينهُمْ ثُمَّ لاَ يجدُوا فِي أنفسهِمْ حَرجاً مِمَّا قضَيتَ وَيُسلِّموا تَسلِيماً﴾ (النساء: 65). فلا إيمان إلا بعلم، ولا عمل صالح إلا بالعلم والإيمان.

 (العمل الصالح = علم + إيمان + حفظ مقصد عمارة الأرض)

وهذا الارتباط الوثيق بين التوحيد والعمل هو الذي يعطي التوحيد -باعتباره واسطة العقد في منظومة القيم العليا الحاكمة القرآنية- القدرة الهائلة والمرونة التامة في تقويم الفعل الإنساني أياً كان، إلى جانب القيمتين الأخريين: التزكية والعمران، بل يستطيع التوحيد منفرداً أن ينعكس على ذلك بشكل دقيق، فمن الأفعال ما تدرك منافاته للتوحيد بداهةً، ومنها ما يحتاج إلى نظر ليدرك ذلك فيه، ومنها لما لا تدرك منافاته للتوحيد إلا بنظر دقيق لا يمارسه إلا القادرون على ذلك(6).

وبقطع النظر عن موقف أهل اللغة، وعلماء الكلام، والفلاسفة، والفقهاء، وأقوالهم المختلفة في هذا المفهوم القرآني وغيره، فإن هذا المفهوم القرآني مفهوم متميز ومركب؛ إذ يمثل حجر الزاوية في تكوين وبناء الرؤية الكلية عن الكون والحياة والأحياء انطلاقا من القرآن الكريم. كما أن الإيمان في الرؤية القرآنية يوضح حدود وأبعاد الدور الإنساني في هذا الوجود. وفي الوقت نفسه يحقق قدرة كبيرة على صياغة المفاهيم الضرورية لبناء فاعلية الإنسان، وتشكيل دافعية العمران والتسامي فيه، وإيجاد المنطلقات المعرفية والثقافية السليمة لدى الإنسان.

ومن هنا فإن العمران الذي يتأسس على الإيمان يكون له فضل كبير على العمران الذي ينشأ بعيدا عن قواعد الدين الحق، التي تجعل الإنسان المؤمن يقبل على العمل الصالح من أجل الحصول على الثواب، وهذا العمل تكون له انعكاسات إيجابية على المجتمع؛ فمثلا الدعوة إلى إماطة الأذَى عن الطريق -وهي الشعبة الأخيرة من شعب الإيمان، وثمرة من ثماره- قد تبدو أمرا هيناً؛ ولكنها في الواقع تعبر عن مستوى حضاري لأمة الإيمان، حيث يسهم كل فرد من أفراد الجماعة المؤمنة -بدافع الإيمان- في الحفاظ على طهارة العمران البشري.

ثانيا: مفهوم العمران ومقاصده في القرآن الكريم

"العمران" مصدر من عَمَر الأرض يَعْمُرها عِمارة وعمرانًا. ويطلق على الاسم كما يطلق على المصدر، من هنا فكل الإنشاءات المعنوية والحسية التي بها يقوم الإنسان تحقيقا لمقتضى عبوديته لله الفرد الصمد، وتحقيقا لوظيفة الاستخلاف وحمل الأمانة، كل ذلك يشكل هذا المسمى "العمران".

والعمران ضد الخراب؛ قال الراغب الأصفهاني في المفردات: العمارة نقيض الخراب(7)، فكل ما فيه تدمير للبشرية بشكل من الأشكال -سواء على مستوى الأفكار أم على مستوى الإنشاءات المادية- لا يمكن أن يسمى عمرانًا، وكذلك إذا كان في الظاهر يفيد الإنسان؛ لكن لم يُقصد به ذلك، وإنما جاء عرضًا لمقصد آخر لا يعد عمرانًا، كفعل الكافر إذا لم يكن له إيمان: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (الإسراء: 19)، فقد يريد الآخرة ويسعى لها سعيها؛ لكنه ليس مؤمنًا، فلا فائدة حينئذ، قال تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ (إبراهيم: 18). ويقال: عَمَر أرضه يعمُرها عِمارة. قال تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (التوبة: 19). ويقال: عَمّرته فَعَمَر فهو معمور. قال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا (الروم: 9)، وقال سبحانه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (الطور: 4). وأعمرْتُهُ الأرضَ واستعمرته؛ إذا فوّضت إليه العمارة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (هود: 61). والتّعمير: إعطاء العُمُر بالفعل أو بالقول على سبيل الدعاء. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ (فاطر: 37)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ (فاطر:11)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ (البقرة: 96)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ (يس: 68)، وقال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (القصص: 45)، وقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (الشعراء: 18) (8).

وجعل ابن فارس صاحب "المقاييس"، هذه المادة تدور على أصلين: أصل له ارتباط بالصلاح وهو نقيض الخراب، ونقيض الفساد، وهو الوارد في الآية: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61). وهناك معنى مرتبط بهذا، هو معنى البقاء في الزمان، والاستمرار والوجود بشكل من الأشكال وهو عمران. فإذن لابد من القرآن لإنشاء العمران(9).

ويقال: استعمره الأرض أي جعله يعمرها بأنواع البناء والغرس والزرع، حتَّىٰ سُمّي الحرث عمارة؛ لأنَّ المقصود منه عمر الأرض(10)، وذكر ابن خلدون العمران في مقدّمته؛ للدلالة علىٰ نمط الحياة بوجه عامّ، جاعلاً إيّاه أحد الخواصّ التي تميَّز بها الإنسان عن سائر الحيوانات؛ وهو "التساكن والتنازل في مصـر أو حلَّة للأنس بالعشير، واقتضاء الحاجات؛ لما فيه من طباعهم من التعاون علىٰ المعاش"(11).

وقد ورد في القرآن الكريم ما يفيد الإعمار والتعمير، بألفاظ وعبارات، مثل: ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾، و(عَمَرُوها) أي الأرض، ﴿عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾، ﴿أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، فهذه العبارات وغيرها كلّها تفيد تعمير الإنسان لمنطقة معينة بقصد العيش وعبادة الله -عزَّ وجلَّ-، كما في قوله تعالى: ﴿هوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود: 61)، وقوله سبحانه: ﴿وَأَثارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها﴾ (الروم: 9)، وقوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَـى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: 18)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (إبراهيم: 37).

وذكر الآلوسي أنّ معنى قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: "جعلكم عمّارها وسكّانها، فالاستفعال بمعنى الإفعال، يقال: أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها، وفوّضت إليه عمارتها. وذكر معنى آخر، وهو أنّه أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن، وحفر أنهار، وغرس أشجار، وغير ذلك، فالسين للطلب. واستدل بالآية على أنّ عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب"(12).

ويبرز الإنسان -في منظومة الإسلام الاعتقادية والتصورية- باعتباره الجسر الكوني المؤهَّل، الذي تعبر منه القيم، والأخلاق، والتشريعات الحاملة لمراد الله التكليفي من الإنسان تجاه نفسه ومحيطه الكوني، إلى البعدين الزماني والمكاني، لتصبح جزءا من التاريخ والحياة. كما يبرز التكليف الملقى على عاتق هذا المخلوق "الأمانة" ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: 72) باعتباره تكليفا لا يعرف حصرا ولا حدودا؛ إذ الكون كله في هذه المنظومة مسرح لفعل الإنسان وعتاد له.

ويعدّ تكليف الإنسان بعمارة الأرض كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ(الأنعام: 165)، وقوله تعالىٰ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(يونس: 14)، وقوله تعالىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ(فاطر: 39)، يعد ذلك تكليفا بالتأسي بمن تم تكليفه بريادة هذا الفعل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 2). ذلك أن النموذج البشري الذي سعى القرآن الكريم لإيجاده يستلزم استحضار هدي خير العباد في بناء هذا النموذج، مع الكشف عن مقومات نبي الرحمة في إرساء بناء الإنسان وتأسيس العمران. ومدخل ذلك هو الاطراح بين يدي القرآن المجيد باستنطاقه عن كيفية بلورة الهندسة التي بمقتضاها يُبنى الإنسان والعمران.

إن مهمة الإنسان في هذا الكون، وجوهر مفهوم العبادة التي كلّف بها بمقتضى آية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) هو قيام هذا الإنسان بالربط بين الموجودات، وتوجيه العلاقة بينها باتجاه تلبية مراد الله تعالى، قال الطاهر بن عاشور في تفسيره آية سورة الذاريات السابقة: "فالمعنى أنّه المستغني غنى مطلقا فلا يحتاج إلى شيء، فلا يكون خلقه الخلق لتحصيل نفع له، ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران باتباع الشريعة التي يجمعها معنى العبادة"(13).

ولما كان إعمار الكون في الرؤية القرآنية ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية؛ أفاض القرآن الكريم في إبراز مهمة الإنسان في هذا الكون، باعتباره - أي الكون - الساحة التي على الإنسان أن يقوم بمهمته الاستخلافية في نطاقها، فيكون العُمرانُ -وَفق هذه الرؤية- قيمةً معيارية تقاس بها "قيمة" الحياة في عُمُر الإنسان الفرد، أو عُمُر الجماعة أو الأمة، وقيمةً معيارية "تُقوَّم بها" الجهود والإنجازات الحضارية "العُمرانية" للفرد أو الجماعة أو الأمة.

وهو ما يجعل ارتباط العمران بالقرآن الكريم ارتباط السبب بالمسبِّب، بحيث لا يمكن أن يكون عمران في الأرض إلا إذا وُجد القرآن؛ لأن الذي ينشئ العمران هو القرآن؛ إذ العمران مرتبط بالوظيفة الأصلية لآدم وبنيه، التي هي الخلافة والتي حددت في شيء اسمه "عبادة الله وحده لا شريك له"، التي تقررها الآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). إذن لكي ننتج العمران بالمعنى الاسمي، ولكي نقوم بالعمران بالمعنى المصدري، فنحن نحتاج إلى القرآن، ولابد لهذا من استخلاص الرؤية القرآنية.

ثالثا: خصوصية الرؤية القرآنية

إن الرصد الشامل لتاريخ العمران البشري يمكننا من اختزاله في محاولة الإنسان الدائمة لرفع تحدي حيرة قرن الحركة بوجهتها نحو القبلة في حياته الفردية والجماعية. ولا شك أن حجية الوحي الخاتم القائمة على جميع وجوه إعجازه، لا تترك مناصا أمام عاقل دون التسليم بربانية مصدره، ومن تجليات ذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. وكفى بالله شهيدا﴾ (الفتح 28). فإعمال الوحي في المجال البشري ليس فيه جانب الامتثال فقط؛ وإنما فيه أيضا اجتناب الدمار في الدارين: الأولى والآخرة، وتحصيل السعادتين فيهما. وقد كان دأب الأنبياء جميعهم إحلال الوحي وإعماله في المجال البشري لينطلق الناس اختيارا في موكب الساجدين(14)، وهذا بالضبط مناط الخلافة، فآيات الخلافة من سورة البقرة تختم بقوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (البقرة، 38-39) مما يبرز مركزية الوحي/ الهدى في المجال البشري، وأن اتّباعه يحقق الأمن - توق إبراهيم الدائم(15): ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾ (الأنعام، 83).

ولا يخفى أن لكل منظومة حضارية رؤية كونية منهجية تخدمها وتفعّلها في التفكير، لذلك فقد أرسى القرآن الكريم منذ تنزله أُسس واقع إنساني حضاري جديد، يتجاوز الواقع القائم، من خلال منظومة القيم القرآنية في التوحيد، والتعارف، والمساواة، والحرية، والتكريم، والفضيلة، والمروءة، والأخوة الإنسانية، والحق، والخير، والعدل، والجمال..

 من هنا كانت "الرؤية القرآنية الكلية" رؤية توحيدية إعمارية خيرية حضاية؛ تعبر عن الفطرة الإنسانية السوية في مرحلة الختم، وهي رؤية علمية سننية تسخيرية تهدف إلى جعل عناصر الفطرة الإنسانية السوية في بؤرة الوعي الإنساني، حتى تهدي مسيرة الحياة الإنسانية وترشدها، ليحقق الإنسان ذاته السوية في أبعادها الفردية والجماعية، ويستجيب في وسطية واعتدال لحاجتها ومتعها على مدى أفق الوجود الإنساني بكل أبعاده الروحية والإبداعية العمرانية.

وتتحدد هذه الرؤية الكلية القرآنية(16) عبر مجموعة من المفاهيم المفاتيح؛ لأنه لا يمكن فهم قضية الرؤية الكلية في القرآن الكريم إلا في إطار منظومة التوحيد؛ عبر شهود وجود الله تعالى ووحدانيته، وأنه هو خالق هذا الكون بما فيه ومن فيه، ومالكه ومدبره، خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض ليعمرها وليتصرف فيها طبقاً لتعاليمه، وامتثالاً لإرادته سبحانه.

من هنا كان لابد أن يشكل علم العقيدة المحضن الطبيعي للبحث في الأطر المرجعية، والأنساق القياسية، التي حين تُستجمع بشأن المواضيع المختلفة؛ (الإنسان، الحياة، المجتمع، الآخرة، الدنيا، المال، الفتنة، الهدى، الضلال، الجود، المركّبات المعرفية، التكتلات البشرية، الحركية بين الأمم تداخلا، وتناقضا، وتنافرا، وتواؤما)؛ وهي قضايا تشكل المفردات، التي بضم بعضها إلى بعض تُحرر لنا طلائع الرؤية الكلية والشمولية، وهو أمر لا شك أن المسلمين اليوم، في أمس الحاجة إليه لأن الفاعلية الحضارية لا يُتصَوّر انقداح زندها إلا بامتلاك رؤية ناظمة عن الوجود، والحياة، والأحياء(17). فتحيل إلى مجموع الحقائق الأساسية التي تقدم للإنسان المسلم تصورا خاصا للوجود، يَتعامل معه على أساسه. كما أنها تقدم له تفسيرا مطابقا لهذا الوجود بما فيه الحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني، والعمران البشري.

إن الرؤية الكلية للعالم -كما يستنبطها القرآن المجيد- تؤكد أن الدين الإسلامي إنما تنزل لا ليغير المعتقدات، والتصورات، والمفاهيم، والمشاعر والشعائر، لدى من اختاروا الإيمان به فحسب، وإنما كذلك ليغير واقعهم التاريخي، والعمراني، والحضاري، وذلك عبر تحريرهم من كل الوصايات والأغلال ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (الأعراف157) وتمكينهم من تلقي تصوراتهم، وقيمهم، ومعاييرهم، وأحكامهم، ومقاصدها الكلية من المرجعية القرآنية الحاكمة والهادية.

ولذلك فإن المقصد من وراء استجلاء مقومات وخصائص الرؤية القرآنية، والتصور الإسلامي للكون والحياة، يكمن في السعي إلى تيسير تمثل هذه المقومات، وهذه الخصائص، حتى تصبح متاحة بعلمية أمام الراغبين، للإفادة منها في تحقيق الذات الحضارية بشكل أصيل ومبدع، في تكامل تعارفي مع الذوات الحضارية الأخرى، وذلك انطلاقا من كون المعرفة في الرؤية القرآنية لا تنفك عن الحركة، والعلم لا ينفك عن العمل، والعقيدة لا تنفك عن الحياة.

ومن بين أهم ما ترتكز عليه الرؤية الكلية القرآنية "الخصوصية الإيمانية" والتي تتمثل في تأسيس الإيمان على النظر الملكوتي، وهو عبارة عن شهود القيم في مختلف الآيات، و"الخصوصية الأخلاقية" والتي تتمثل في تأسيس الأخلاق على العمل التعارفي، وهو عبارة عن التعاون على المعروف مع مختلف الأشخاص والأمم"(18)، ومما تجدر الإشارة إليه أن القدرة على تفعيل الإيمان ليست قدرة كباقي القدرات الإنسانية؛ إذ لا يمكن أن تحصَّل بأي فعل كان من الأفعال الكثيرة التي يأتي بها الإنسان، بل لا بد في تحصيلها من التوسط بفعل ممتاز من الأفعال الإنسانية(19).

واستحضار الرؤية القرآنية في كليتها وعالميتها يجعل إيمانية الجواب الإسلامي في إطار الرؤية القرآنية الكلية تختص بكونها أشمل إيمانية؛ ذلك أن الدين الإسلامي هو خاتمة الأديان السماوية؛ ولا تعني هذه "الخاتمية" أن هذا الدين أنهى نزول الوحي إلى الناس فقط؛ بل تعني أيضا أنه جَمَعَ ما في سابق الأديان من أسرار الإيمان، وزاد عليها أسرارا أخرى ليست فيها، فتكون القوة الإيمانية للدين الإسلامي أوسع مدى من القوة الإيمانية لغيره من الأديان(20).

وهو ما يبوئ الإيمان مرتبة الموجِّه المعنوي لخطوات الأُمّة نحو البناء؛ لأنَّه هو الروح المؤثِّرة في تحريك وتوجيه الإنسان والمادّة، فإذا كان معتقداً صحيحاً صحَّ العمران واستمرَّ، وإن كان معتَقداً محرَّفاً ومنحرفاً يكون العمران وبالاً علىٰ أهله، كما هو حال الحضارات السابقة التي اندثرت بسبب فسادها وطغيان القائمين عليها، وهذا ما بيَّنه قوله تعالىٰ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ(الفجر: 6-14)، فالآيات الكريمة لخَّصت نهاية أكبر الحضارات مدنية وعمراناً في وقتها، ولأنَّها لم تقم علىٰ أساس التقوىٰ والإيمان بالله -عزَّ وجلَّ- كانت نهايتها الفناء.

رابعا: الاستخلاف والتسخير

يعدّ إعمار الكون من المهام الأساسية للإنسان الخليفة في الأرض، ولضرورته القصوى للحياة الإنسانية كان الإعمار مظهرا من مظاهر تحقيق العبودية لله تعالى. وقد هيأ الله للإنسان كل ما يتوقف عليه العمران، حيث جعل في الأرض قابلية للعمران، فجعلها أولاً صالحة لاستقبال ما يمكن أن يحدثه الإنسان من العمارة، وذلك بما ألقى فيها من الجبال التي تحفظ استقرار قشرتها: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (النحل: 15)، وكذلك بما قدر فيها من الجاذبية التي تثبت البنيان، فكانت بذلك قراراً: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ (النمل: 61)، ولولا ذلك ما استقرت على الأرض لبنة فوق أخرى. كما جعل الأرض أيضاً طوع إرادة هذا الإنسان ذلولا له، صالحة لإنتاج ما يحتاج إليه: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (فصلت: 10)، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اْلأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15)، إضافة إلى ذلك يسر الله للإنسان حركته في الأرض؛ فجعل النجوم للإنسان علامات يهتدي بها في ظلمات البر والبحر: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل 16).

وبمقتضى محدد ختم النبوة أصبح كل إنسان فرد رساليّاً من غير رسول، وذلك بما يمتلكه من مؤهلات سما بها عن سائر المخلوقات، فعُلِّم الإنسان الأسماء وأنزلت عليه الكلمات والكتاب، وألغيت الوسائط بينه وبين الله، وكُلِّف بالسير والنظر في آفاق الكتابين: المسطور، والمعمور، فآفاق المعرفة الكونية مفتوحة؛ إذ بلغ النظام الكوني من الإحكام ما لا يحيط به الإنسان، وآفاق المعرفة القرآنية مفتوحة أيضاً، ومن ثَمَّ فختم النبوة جعل آفاق الإنسان بلا حدود: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (الكهف: 109)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)، وقوله تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزينَّاها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ (ق:6-8)، وقوله تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ (الأعراف: 185).

والناظر في القرآن الكريم نفسه يجد أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4)، ليجعله في قلب الفعالية العمرانية والحضارية، انطلاقا مما زوده به الخالق من نعمة العلم والمعرفة وأداتيهما، اللتين هما أداتا الإعمار والتحضّر؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 31)، وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).

وقد تكرر مبدأ الاستخلاف أكثر من مرة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً﴾ (فاطر: 39)، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 165)، وقوله تعالى: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 69)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 129)، وقوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: 62).

وعبادة الله وحده -بالمفهوم الشامل- هي الهدف الذي يتحتم على الإنسان فرداً وجماعة أن يوجه إليه أوجه أنشطته كافة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات: 56-57)، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41) وذلك عبر موقع الإيمان، والتقوى والإحسان. ولا شك أن البناء الفكري والروحي للإنسان على أساس التوحيد يوجه سلوك الفرد والأمة، ويرشده إلى المثل الأعلى، فيكدح بكل أنواع الكدح نحو الله -عزَّ وجلَّ-﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (الانشقاق: 6)، وهذا السير، والارتقاء، والتكامل يشعره بالمسؤولية، فيجسدها الإنسان في نفسه، وفي محيطه، وفي أمته، حيث يسمو بإنسانيته إلى حيث الرحمة والجود(21).

ولن يكون بمقدور الإنسان تنفيذ مطالب مهمته الاستخلافية، وتحقيق مقاصدها الكلية، ما لم يقم بفعل القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)، وتحقق هذه القراءة(22) مرتهن بتحديات أهمها ثلاثة، هي: "أولاً: تحدّي التمكّن من الوقوف على وظيفته وعلى دوره: "الخلافة، الأمانة، العبادة"، وأن يكون ذا وعي بالقيم الحاكمة الكبرى والتي يمكن إجمالها في ثلاث: 1- التوحيد، 2- التزكية، 3- العمران. وهي قيم حاكمة تتفرّع عن كل واحدةٍ منها مجموعة قيم ليس هذا مقام التفصيل فيها. فالوعي بالوظيفة والدور إذن تحدٍّ أساسيّ يواجه الإنسان أثناء القراءة. غير أن هذا التحدّي يسلّمنا إلى تحدٍّ ثان يسمّيه القرآن المجيد "الإبصار" في قوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (الصافات: 175)، وفي قوله سبحانه: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (الصافات: 179)؛ أي أَعِنْهم على هذا الإبصار فسوف يبصرون، والمقصود أساسًا بالإبصار إبصارُ العلامات والآيات؛ أي البصائر: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ (الأنعام: 104). ففي الجانب الكوني، نجد أن الكون فيه آيات؛ فالليل آية، والنهار آية، والشمس آية، والقمر آية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (فصلت: 37)، وهذه الآيات وجب أن يوقف عليها، ووجب أن تُتبين معالمها وألا يغفل عنها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف: 105)؛ فإبصار الآيات، والاهتداء بالعلامات، هو الذي يجعل الإنسان -بعد التمثل للوظيفة وللدور- قادرًا على السير برشادة ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِيًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: 22).

التحدّي الثالث -وهو الثمرة- أن يكون الإنسان عاملًا بمقتضى كلّ ما مضى، مع استحضار أنّ العمل يجزى عليه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ (النجم: 39-41). وتحضرنا هنا حقيقة مؤقتية الإنسان، وكون المعاد نهاية حياة وبداية أخرى، نهاية حياة فيها عمل ولا حساب، وبداية أخرى فيها حساب وجزاء ولا عمل، وهو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللٰهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281) كما يبرز مقوّم الإتقان باعتباره مقومًا أساسًا يجعل الإنسان -من خلال إيمانه بالمعاد- يروم أن يكسب الأجر الأوفى والأوفر مع رب العالمين ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: 30). مقوم آخر لابد منه لمسّ القرآن الكريم، هو مقوم المنهاجية، ومن مقوّمات العمل -كذلك- في هذه المنظومة الكلية -بالإضافة إلى الإتقان- جانب النفع الذي أعطي في هذه المنظومة أهمية خاصةً، ولّدت علوم المقاصد والمآلات مما هو مفصّل وبدقة في أبوابه"(23).

ويرتبط مفهوم الاستخلاف بمفهوم التسخير؛ الذي يعد بدوره مفهوما مفتاحيا في إبراز علاقة الإيمان بالعمران في الرؤية القرآنية.

ذلك أن نظام الكون مسخر للإنسان بحيث يستطيع أن يدخل عليه ما يشاء من تغيير.حيث خلق الله تعالى الكون مطواعا وقابلا لتدخل الإنسان في بنائه، وإعماره، والتحاور معه، فضلا عن إمكانية تغيير سلسلة علاقة السببية في الكون بفعل هذا الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (لقمان: 20)، وقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (إبراهيم: 33)، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 165)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحج: 65)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 13) (24).

وبمقتضى الاستخلاف والتسخير، حمّل الله تعالى الإنسان -فيما بينه القرآن الكريم- الأمانة التي لم تطق السموات والأرض حملها، وأشفقن منها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72).

والدرس المهم الذي يمكن الخروج به من إشفاق السموات والأرض من تحمل أمانة التكليف الحر، وقبول الإنسان لها مختارا؛ أن التكليف يقتضي القدرة على الفعل العمراني والحضاري، والقدرة على تفعيل الإيمان؛ والتي دونها، يتهاوى صرح التكليف والالتزام الأخلاقي. وبانهياره تتحطم الغاية التي من أجلها خلق الله الكون.

والقدرة على تفعيل الإيمان ليست قدرة كباقي القدرات الإنسانية؛ إذ لا يمكن أن تحصَّل بأي فعل كان من الأفعال الكثيرة التي يأتي بها الإنسان، بل لا بد في تحصيلها من التوسط بكدح وعمل وجهد(25)، يفعّل الإيمان عند هذا الإنسان المستخلف، وهو جهد كلي يقوم على أفعال قيمية، يمكن إجمالها في أربعة، هي:

1- "تحقيق قيم الدين الخاتم": ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (الروم30).

2- "ابتغاء التقرب إلى الله": ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف يرضى(الليل 19ـ21)، وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (البينة 5).

3- "عمل الصالحات" باعتبارها الحالة الأكمل لاقتحام العقبة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ. أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (البلد: 4-18).

4- "حمل الأمانة": ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (الأحزاب 72)(26).

من خلال هذه الأفعال القيمية النابعة من الرؤية القرآنية نعلم أن الفعل العمراني في الرؤية القرآنية لا يتشكل بمعزل عن الإيمان؛ ولكنه مشروط به، وطالما أكدت المعطيات القرآنية على حقيقة أن موقف الإنسان في العالم سيؤول إلى الخسران بمجرد افتقاد شرطيه الأساسيين: الإيمان والعمل الصالح: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-3)، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ (آل عمران: 110)؛ ذلك أن الإيمان الحي اعتقاد يصدقه العمل وقول يحققه الفعل، مما يقتضي جهدا ارتقائيا دائما، يبعث الحركة ويولِّد الفعالية، جاعلا الإنسان يتجاوز نطاق الموجود، ويسعى إلى تحقيق ما ليس بموجود"(27).

كما يظهر جليا أن الدور العمراني للإنسان والجماعة المؤمنة يقوم على العمل والإبداع المتواصلين منذ لحظة الوعي الأولى حتى ساعة الحساب، ونعلم كيف أن الحياة الإسلامية يجب أن تكون فعلاً إبداعياً موصولاً: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105)، ونتذكر حديث الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر"(28).

والإصلاح والإعمار المنوطَين بالاستخلاف مسائل تتداخل فيها كل الفاعليات الحضارية: مادية وأخلاقية وروحية، وإن أي ضرر أو إفساد يلحق بأحدها ينعكس - بشكل أو بآخر- على الجوانب الأخرى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصلاحهَا﴾ (الأعراف: 56)، ﴿وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 142)، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41)، ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: 151-152)، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ﴾ (هود: 88)؛ لأن الإنسان في إطار رؤية القرآن الكلية لا يسعى في قيامه بفعل العمران إلى إشباع إرادته الخلاقة، بل إلى الاستجابة لإرادة الله تعالى في الكون، والقيام بالربط بين الموجودات وتوجيه العلاقة بينها باتجاه تلبية مراد الله تعالى، وتأسيسا على ذلك تصير عملية إعادة البناء عبادة لله وطاعة له، ومنزلا لتحقيق تكامل هذا الإنسان الخليفة في كافة الأبعاد الروحية، والعقلية، والقلبية، وليست عملية غزو للطبيعة، ولا قهر لها(29).

 وفي سياق الاهتزازات والمنعطفات التي تمر بها الأمة الإسلامية والإنسانية، يقتضي الوضع أن يرتفع المفكرون والعلماء والباحثون إلى مقام الراهنية المتجددة في إعادة استكشاف قدرات الكتاب الخاتم في بناء الإنسان وإقامة العمران، والإسهام في توجيه الحضارة الإنسانية، وبذلك فقط يتحقق للأمة كسب معرفي ومنهجي أصيل وجديد، تستطيع به أن تصوغ أجوبة سديدة لمختلف ما يموج في واقعها من أسئلة، ويمكنها من استشراف مستقبلها الواعد. مما ليس ينتظر إلا العقول المتمرسة الخبيرة لطرح الأسئلة المنهجية، من أجل رفع صرح علم التأسي على الصعيد الفردي والجمعي والكوني.

*************************

الهوامش:

*) رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء، المملكة المغربية.

1)      كما أن التعرف على الإنسان الشاهد -الوحدة القياسية- الذي يمثل حالة السواء، والذي من خلال التعرف على بنائه النفسي، والوجداني، والعقلي، والشخصي، والقصدي، يكون المدخل لإنتاج العلوم الوظيفية والمناهج العلمية الممكنة من رد الاختلالات إلى حالة السواء، وهنا الدور المحوري الخطير لوظيفة النبوة ووظيفة الذكر الذي تأتي به متى ما حلّ الرشد في التعامل معهما والتأسي بهما ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (الجمعة: 2). انظر الوحي والإنسان: نحو استئناف التعامل المنهاجي مع الوحي، أحمد عبادي، در النيل، مصر، 2013م، ص133.

2)      ينظر بهذا الشأن: خصائص التصور الإسلامي، ومقومات التصور الإسلامي سيد قطب.

3)      قواعد الأحكام، العز بن عبد السلام، دار القلم 2000، 1/7.

4)      الكشف عن مناهج الأدلة، ابن الرشد الحفيد، دار الآفاق الجديدة ط1، 1982م، ص60ـ61.

5)      وإذا تتبعنا موارد لفظ الإيمان، وجدناه قد أتى على نوعين:

أ‌-         تارة يذكر لفظ الإيمان مطلقًا؛ مثل: "لا يؤمنون، لا يؤمن، إنما المؤمنون، حبَّب إليكم الإيمان، أفلح المؤمنون".

ب‌-       وتارة يذكر مقيدًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 61)، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ (يوسف: 17)، ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ (يونس: 83).

6)      انظر كتاب "التوحيد والتزكية والعمران، محاولة في الكشف عن القيم، والمقاصد القرآنية الحاكمة" طه جابر العلواني، وكتاب "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري"، طه عبد الرحمن.

7)      المفردات، الراغب الأصفهاني، تحقيق: سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، د.ت، ص347.

8)      المفردات، ص347، وانظر: الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، بيروت، دار الكتاب العربي، 1979، ص454.

9)      مقاييس اللغة، لابن فارس، دار الفكر 1979. مادة عمر.

10)  التحرير والتنوير: ابن عاشور 7: 163.

11)  مقدمة ابن خلدون، ص23، ط دار الفكر. د.ت.

12)  روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين الآلوسي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت، 12/ 88.

13)  التحرير والتنوير لابن عاشور، تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع، د.ت 27/ 29.

14)  انظر الكلام الذي جاء عن دعوات الأنبياء لأقوامهم في سورة الأعراف مثلاً: (58-188) وهود (25-102) وانظر الموافقات، 2/168 وما بعده، وكذلك ابن تيمية في العبودية، 47-50.

15)  يلاحظ في القرآن المجيد في مواقع الحديث عن إبراهيم عليه السلام هاجس الأمن؛ إذ يبرز هذا المصطلح في سياقات كلامه المختلفة.انظر: (الأنعام، 81-82، وإبراهيم، 35)

16)  "الرؤية الكونية الحضارية القرآنية"، و"الرؤية القرآنية الكلية"، و"رؤية العالم الإسلامية" أو(Islamic worldview)، تدل على نفس المعنى. والذي يختلف عن رؤى العالم في مختلف الأنساق الفلسفية، من حيث وظيفيتها وواقعيتها ومصدريتها الربانية.

17)  الوحي والإنسان، أحمد عبادي، ص43.

18)  الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، طه عبد الرحمن، ص213 بتصرف.

19)  نفس المرجع، ص218.

20)  ن المرجع فسه، ص26.

21)  التوحيد، للقاروقي، ص49.

22)  وتستند هذه المنهجية إلى أول ما نزل من القرآن﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)، إذ جاء الأمر بقراءتين: الأولى: قراءة كونية شاملة لآثار القدرة الإلهية وصفاتها وخلقها للظواهر ذات المعنى، وهذه القراءة تأتي باسم الله بوصفه المتفرد به الخالق، وأما القراءة الثانية فتتم بمعية الله وتتجه إلى عالم الصفات التي تتجلى في الخلق، وهو عالم موضوعي؛ لذا فهي تتم بالقلم لوصفه وسيطاً خارجياً لمعرفة موضعية وليست ذاتية، فهي تتّسم بالتفهم العلمي الحضاري لتجليات القدرة في نشأة الظواهر، ووجودها، وحركتها، وتفاعلاتها. انظر الوحي والإنسان، أحمد عبادي، ص65-66.

23)  الجمع بين القراءتين تجلٍّ من تجليات التكامل المعرفي في القرآن المجيد، أ. د. أحمد عبادي.

24)  وهو ما تعبر عليه آيات سورة النحل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل10-18). ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ. وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل 80-81).

25)  الحق الإسلامي، ص218 بتصرف.

26)  المرجع نفسه 236-237.

27)  نفس المرجع، ص239-241.

28)  رواه أحمد، والطيالسي، والبخاري في الأدب المفرد.

 التوحيد، ص30.